عقارب الساعة وعقارب السياسة: هل تسمع الحكومة أنين “البيولوجيا”؟
من الصعب أن تجد في “أدبيات” التدبير الحكومي المعاصر فجوة أعمق وأكثر سخرية من تلك التي تفصل بين “مكاتب الرباط” المكيفة وبين “أرصفة الشارع” المظلمة في السابعة صباحاً. حين يوقع ربع مليون مغربي، في حراك رقمي عفوي ومنظم، على عريضة تطالب باستعادة “ساعة الله”، فهم لا يمارسون ترفاً فكرياً ولا يعارضون من أجل المعارضة، بل يعلنون بوضوح أن “الشرعية التقنية” التي تتحصن خلفها الحكومة قد سقطت أمام “المشروعية الشعبية”.
القصة ليست قصة 60 دقيقة تُضاف أو تُنقص، بل هي قصة “عناد سياسي” يرفض الاعتراف بالخطأ. تخرج الحكومة علينا في كل مرة بلغة الأرقام الجافة، تتحدث عن توفير الميغاوات وعن سلاسة المعاملات مع الشريك الأوروبي، وكأن المغرب “ضيعة ضريبية” أو “ملحق إداري” لبروكسيل، متناسية أن اقتصاداً لا يضع في اعتباره “الصحة النفسية” للمواطن و”الأمن المدرسي” للأطفال و”التوازن البيولوجي” للموظف، هو اقتصاد أعرج، يربح في الفاتورة ويخسر في الإنسان.
إن ربع مليون توقيع هي بمثابة “استفتاء شعبي” صامت، يضع حكومة “الكفاءات” أمام مرآة الحقيقة. هل وظيفة المؤسسات هي تطويع الشعب لخدمة قرارات “إدارية” جامدة، أم تطويع القرارات لخدمة رفاهية الشعب؟ المؤلم في المشهد ليس هو الساعة الإضافية في حد ذاتها، بل هو هذا “الصمم الإرادي” الذي تمارسه السلطة التنفيذية، وكأنها تعيش في وادٍ معزول، لا تصل إليه صرخات الأمهات اللواتي يودعن أبناءهن في جنح الظلام، ولا تأوهات العمال الذين سُرقت منهم ساعة من نومهم ومن سكينة ليلهم.
لقد آن الأوان ليفهم أصحاب القرار أن “هيبة الدولة” لا تضيع بالاستجابة لمطالب الناس، بل تضيع بالإصرار على قرارات تفتقر للحاضنة الاجتماعية. إن “الساعة القانونية” يجب أن تكون قانونية في وجدان المغاربة أولاً، لا في الجريدة الرسمية فقط. فهل من رجل رشيد يعيد عقارب الساعة إلى توقيت “المنطق”، قبل أن يتسع الشرخ وتصبح الفجوة بين الواديين غير قابلة للعبور؟

