الإعلام العمومي : حين يتحول الإصلاح إلى شعار و تبقى الإختلالات هي القاعدة

الإعلام العمومي : حين يتحول الإصلاح إلى شعار و تبقى الإختلالات هي القاعدة

في كل موسم رمضاني، يعود الجدل حول الإعلام العمومي إلى الواجهة، ليس فقط بسبب مستوى بعض البرامج التي تُبث في أوقات الذروة، و لكن أيضا بسبب ما يكشفه هذا النقاش من أعطاب أعمق تمس جوهر التدبير و الحكامة داخل القطاع . غير أن اللافت هذه السنة ، هو أن الانتقادات لم تعد تقتصر على جودة المحتوى، بل امتدت لتشمل أسئلة ثقيلة حول المال العام، و شفافية الصفقات ، و عدالة الأجور ، و غياب رؤية واضحة للإصلاح.

فمن جهة أولى، يجد المتتبع نفسه أمام إنتاجات متشابهة، بأفكار مستهلكة ، تعيد تدوير نفس الوجوه و نفس الشركات المستفيدة من صفقات البرامج، في غياب نفس تنافسي حقيقي يفتح المجال أمام طاقات جديدة. هذا “ الاحتكار غير المعلن ” يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير الانتقاء، و حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى سوق الإنتاج السمعي البصري.

لكن ما يطفو على السطح من انتقادات للمحتوى، يخفي وراءه أرقاما و مؤشرات أكثر إثارة للقلق. فقد تم التداول بمعطيات تفيد بوجود عجز في ميزانية تدبير الإنتاج بإحدى القنوات، و تحديدا القناة الرياضية، يُقدّر بحوالي 50 مليون سنتيم، و هو رقم، وإن بدا محدودا في الظاهر، إلا أنه يكتسب دلالة رمزية قوية عندما يُقرأ في سياق غياب توضيحات رسمية حول أسبابه و مآلاته.

الأخطر من ذلك، هو نمط التعامل مع الاختلالات حين يتم رصدها. فبدل تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يُكتفى غالبا بإعفاء بعض المسؤولين، و كأن الأمر يتعلق بإجراء إداري معزول، لا بمساءلة حقيقية تستوجب تحديد المسؤوليات و ترتيب الجزاءات. و هنا يتحول الإعفاء من أداة إصلاح إلى مجرد آلية لامتصاص الغضب، دون معالجة جذور الخلل.

و في جانب لا يقل حساسية، تبرز إشكالية الأجور داخل القطاع، حيث تكشف تسريبات لوثائق مرتبطة بالتصريحات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عن تفاوتات صارخة بين فئات المستخدمين. فبينما لا تزال فئة واسعة من العاملين، خاصة داخل المؤسسة التاريخية بدار البريهي، تتقاضى أجورا قريبة من مستويات الوظيفة العمومية، تستفيد فئات أخرى، خصوصا في قنوات تم إلحاقها بالشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، من أجور تفوقها بأضعاف، دون وضوح في المعايير المعتمدة لتبرير هذه الفوارق.

هذا الوضع يطرح سؤال العدالة الأجرية، لكنه يفتح أيضا بابا أوسع للنقاش حول كيفية تدبير الموارد البشرية داخل قطاع يفترض أن يكون نموذجا في الحكامة، لا مجالا لإعادة إنتاج التفاوتات.

و لا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تسجل اختلالات على مستوى تنفيذ قرارات تمت المصادقة عليها داخل المجلس الإداري، لكنها ظلت حبيسة الرفوف. و من أبرزها مشروع إحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية، الذي كان من شأنه أن يشكل إطارا منظما و شفافا لتدبير هذا الملف، مقابل استمرار وضع ملتبس لجمعية الأعمال الاجتماعية، رغم تخصيص ميزانية تُقدّر بـ 120 مليون سنتيم، و هو رقم يبدو متواضعا إذا ما قورن بمؤسسات عمومية أخرى أقل عددا من حيث المستخدمين، لكنها تخصص ميزانيات تفوق مليار سنتيم لهذا الغرض.

أما على مستوى الاستثمار، فتبرز بدورها مؤشرات مقلقة، من قبيل مشاريع تم الإعلان عنها في وقت سابق، دون أن ترى النور إلى حدود اليوم، مثل مشروع استوديو الإنتاج بمدينة تامسنا، أو قنوات جديدة تم الترويج لإحداثها دون تقديم أي معطيات حول مآلها. و هو ما يعيد طرح سؤال النجاعة في تدبير الصفقات العمومية، و مدى احترام مبدأ ربط الالتزام بالتنفيذ.

وسط كل هذه المعطيات، يظل الغائب الأكبر هو رؤية واضحة و معلنة لإصلاح الإعلام العمومي. فالإصلاح، كما يُقدَّم، يبدو و كأنه يتم في دوائر مغلقة، دون إشراك فعلي للمهنيين و النقابات، و دون تواصل شفاف مع الرأي العام حول أهدافه و مراحله. و هو ما يغذي الإحساس بأن الأمر يتعلق بتدبير انفرادي، أكثر منه ورشا وطنيا يستوجب التعبئة الجماعية.

إن ما يعيشه الإعلام العمومي اليوم، ليس أزمة محتوى عابرة، بل هو انعكاس لاختلالات بنيوية تتطلب معالجة شاملة، تنطلق من ترسيخ الشفافية، وتمر عبر إقرار حكامة جيدة، و تنتهي بإعادة الاعتبار للعنصر البشري كفاعل أساسي في أي إصلاح.

فالإعلام العمومي، بحكم تمويله من المال العام، ليس ملكا لمؤسسة أو إدارة، بل هو ملك للمجتمع، و من حق هذا الأخير أن يتوفر على إعلام يليق بتطلعاته، و يعكس تنوعه، و يخضع في تدبيره لأعلى معايير النزاهة و المساءلة.

و بين إصلاح يُعلن في الخطاب، و واقع يثير الكثير من التساؤلات، يظل السؤال معلقا:
هل نحن أمام بداية تحول حقيقي، أم مجرد إعادة إنتاج لنفس الاختلالات بأدوات جديدة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *