الوجه الآخر للشرق الأوسط…هل نحن أمام إعادة تشكيل كبرى في موازين القوى؟
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يبدو أن منطقة الشرق الأوسط تقف على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة الجيوسياسية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، وتطفو على السطح رهانات الطاقة والنفوذ في سياق دولي شديد التعقيد.التصعيد بين إيران وإسرائيل، في ظل انخراط غير مباشر لـالولايات المتحدة الأمريكية، أعاد رسم ملامح التوتر في المنطقة، خاصة مع التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لإمدادات النفط العالمية. أي اضطراب في هذا الممر ينعكس فورا على أسعار الطاقة، وهو ما يفسر موجة الارتفاع التي يعرفها النفط الخام، في ظل مخاوف من اختناق السوق الدولية.
هذا الوضع يطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت الرأسمالية العالمية، في نسختها الأكثر شراسة، تعيد إنتاج نفسها عبر أزمات الطاقة والحروب بالوكالة، مستفيدة من ثروات الشرق، خصوصا النفط والغاز، لتغذية اقتصادات كبرى تعاني من اختلالات بنيوية.في المقابل، تبدو واشنطن حريصة على إدارة الصراع وفق منطق “رابح–رابح”، حيث تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين دعم حلفائها وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا التوازن يظل هشاً، خاصة في ظل ما يوصف بتعثر إسرائيل في مواجهة النفوذ الإيراني، وهو ما يصفه بعض المحللين بـ“الاستنزاف الاستراتيجي”.
على الضفة الأخرى، تلوح في الأفق مؤشرات توتر داخل حلف شمال الأطلسي، مع تزايد الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لرفع مساهماتهم العسكرية، في وقت بدأت فيه بعض الدول، مثل إسبانيا، تبدي تحفظات على الانخراط الكامل في بعض الترتيبات العسكرية، خاصة تلك المرتبطة باستخدام قواعدها الجوية.ضمن هذا السياق المتشابك، يبرز المغرب كفاعل إقليمي صاعد، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين مضيق جبل طارق، أحد أهم المعابر البحرية في العالم. التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن يعكس تحولات أعمق في هندسة الأمن الإقليمي، حيث يُنظر إلى المغرب كشريك موثوق في حماية خطوط الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار.كما يُرتقب أن يلعب المغرب دوراً متنامياً في دعم التوازنات داخل الخليج العربي، سواء عبر التعاون الأمني أو من خلال الدبلوماسية الهادئة التي راكمت بها الرباط رصيداً من الثقة لدى مختلف الأطراف.اقتصادياً، يشكل ارتفاع أسعار النفط فرصة لدول منتجة مثل نيجيريا وليبيا والجزائر، التي قد تستفيد من عائدات إضافية تعزز موازناتها، لكنها في الوقت ذاته تظل رهينة تقلبات السوق ومخاطر عدم الاستقرار السياسي.
في المحصلة، لا يبدو أن ما يجري مجرد أزمة عابرة، بل أقرب إلى مخاض تاريخي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وبين من يراه صراع مصالح تقليدي، ومن يذهب بعيداً إلى تسميته بـ“معركة كبرى” ذات أبعاد رمزية، يبقى المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: إعادة توزيع القوة في عالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد التحالفات ثابتة، ولا المصالح دائمة.

