برشيد مدينة تنمو بالاسمنت وتفتقر للثقافة
تعرف مدينة برشيد خلال السنوات الأخيرة توسعاً عمرانياً متسارعاً، حيث تتكاثر الأحياء السكنية والمشاريع العقارية بشكل لافت، في مشهد يوحي للوهلة الأولى بمدينة في طور النمو والازدهار. غير أن هذا الامتداد العمراني، الذي تُهيمن عليه كتل الإسمنت والخرسانة، لا يواكبه للأسف أي نمو موازٍ في البنية الثقافية أو في الفعل الثقافي، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع الثقافة في السياسات المحلية بالمدينة.
فبينما تتوالى مشاريع البناء وتُفتح أوراش سكنية جديدة في مختلف أحياء المدينة، يظل المشهد الثقافي شبه غائب. فلا مسارح حقيقية، ولا فضاءات للعرض الفني، ولا دور للشباب تستجيب لحاجيات الساكنة المتزايدة، خاصة فئة الشباب. وحتى المبادرات الثقافية القليلة التي تظهر بين الفينة والأخرى، غالباً ما تبقى مجهودات فردية أو جمعوية محدودة الإمكانيات، لا تجد الدعم الكافي ولا البنية التحتية التي تسمح لها بالاستمرار والتطور.
ومن بين أبرز مظاهر هذا الفراغ الثقافي، استمرار غياب مركب ثقافي يليق بمدينة بحجم برشيد ومكانتها داخل جهة جهة الدار البيضاء‑سطات. فرغم الوعود المتكررة التي قدمها مسؤولون محليون وجهويون منذ سنوات بإنجاز مركب ثقافي متعدد الوظائف، يضم مسرحاً وقاعات للعرض وفضاءات للقراءة والأنشطة الفنية، إلا أن هذه الوعود ظلت حبيسة التصريحات، دون أن ترى طريقها إلى التنفيذ على أرض الواقع.
إن غياب مثل هذه الفضاءات لا يحرم المدينة فقط من إشعاع ثقافي كانت في حاجة إليه، بل يترك أيضاً فراغاً كبيراً لدى الشباب والفاعلين الثقافيين الذين يجدون أنفسهم دون فضاءات للتعبير والإبداع. فالثقافة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل هي ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتحصين المجتمع، ووسيلة فعالة لمواجهة مظاهر التهميش والانغلاق.
لقد عُرفت برشيد تاريخياً بإنجابها لعدد من الفاعلين والمثقفين والمناضلين الذين بصموا على حضورهم في مجالات متعددة، غير أن المدينة اليوم تبدو وكأنها تعيش مفارقة حقيقية: عمران يتوسع بسرعة، مقابل تراجع واضح في الفعل الثقافي وغياب فضاءات تحتضنه.
إن الرهان اليوم لا ينبغي أن يقتصر على بناء الأحياء السكنية وتشييد العمارات، بل يجب أن يشمل أيضاً الاستثمار في الإنسان وفي الثقافة. فالمدن لا تُقاس فقط بعدد البنايات التي تشيد فيها، بل كذلك بقدرتها على إنتاج المعرفة والفن والجمال.
ولهذا، بات من الضروري إعادة طرح سؤال الثقافة في برشيد بجدية أكبر، والعمل على إخراج مشروع المركب الثقافي إلى حيز الوجود، إلى جانب دعم المبادرات الثقافية المحلية، حتى تستعيد المدينة جزءاً من روحها الثقافية وتتحول من فضاء إسمنتي صامت إلى فضاء نابض بالإبداع والحياة.
جلال العناية

