تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية..مسار متدرج لترسيخ حضور فاعل و مستدام

تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية..مسار متدرج لترسيخ حضور فاعل و مستدام

 مسار متدرج لتعزيز تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية، هو ذلك الذي طبع التجربة المغربية منذ اعتماد آليات التمييز الإيجابي سنة 2002؛ إذ مكن اعتماد نظام “الكوطا” حينها من تخصيص ثلاثين مقعدا للنساء عن طريق اللائحة الوطنية، تلاه التزام الأحزاب السياسية سنة 2007 بتخصيص 10 في المائة من مقاعد مجلس النواب للنساء، إلى تخصيص 90 مقعدا للنساء على المستوى الجهوي، وصولا إلى وضع مقتضيات تحفيزية ضمن المنظومة الانتخابية الجديدة.

وإذا كان المسار التشريعي قد تطور عبر آليات متدرجة لضمان حضور النساء داخل المؤسسة البرلمانية، فإن الإطار الدستوري شكل المرجعية الأساس لهذا التوجه، لاسيما بعد تكريس مبدأ المساواة والسعي نحو المناصفة ضمن دستور 2011، الذي نص، أيضا، على إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

وقد شكل إحداث مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمساواة والمناصفة خلال الولاية التشريعية التاسعة (2011-2026) محطة بارزة، تعزز معها طموح النخب النسائية البرلمانية في الانتقال من دعم عددي للتمثيلية النسائية بالمؤسسة النيابية إلى ترسيخ آليات مؤسساتية مستدامة لتعزيزها وتقويتها، بما يمكنهن من المساهمة الفعلية في العمل التشريعي والرقابي.

من اللائحة الوطنية إلى الدوائر الجهوية.. تطور في الآليات

شكل اعتماد اللائحة الوطنية للنساء محطة مفصلية في مسار ولوج المرأة إلى البرلمان؛ إذ لم تكن المنظومة الانتخابية قبل سنة 2002 تتضمن أي مقتضى للتمييز الإيجابي، كما لم تكن المنظومة القانونية للأحزاب السياسية تنص على أي مقتضيات تشجع تمثيل النساء.

ومع اعتماد نظام اللائحة الوطنية سنة 2002، أي في ظل وجود نائبتين برلمانيتين فقط (سنة 1993 ثم 1997)، تم تخصيص 30 مقعدا للنساء خلال استحقاقات 2002 و2007، وهو ما مكن من ولوج إلى جانب 30 امرأة مجلس النواب، 5 نائبات ثم 4 أخريات على التوالي، ليصبح التمثيل العددي 35 نائبة سنة 2002 و34 نائبة سنة 2007.

وبعد تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب سنة 2011، بناء على المقتضيات الدستورية الجديدة، عرف الفضاء السياسي نقاشا كبيرا حول تمثيلية النساء، وذلك بعد دسترة المناصفة في الفصل 19، أسفر عن اعتماد لائحة وطنية تهم 90 مقعدا؛ 60 منها للنساء، وهو ما مكن من ولوج 67 امرأة (6 على المستوى المحلي).

ويعكس هذا التطور العددي في تمثيل النساء، ما أتاحته آلية الكوطا، في سياق مرحلي، من ضمان حد أدنى من المشاركة النسائية بالمؤسسة النيابية. ومع توالي الاستحقاقات، تطورت الصيغة لتواكب التحولات السياسية والدستورية، قبل أن يتم تعويض اللائحة الوطنية بنظام الدوائر الانتخابية الجهوية.

وتنص المنظومة الانتخابية الحالية على تخصيص الدوائر الجهوية، المفتوحة حاليا لترشيحات الرجال أيضا، حصريا لترشيحات النساء، بما يضمن تحصين المقاعد المخصصة للنساء داخل مجلس النواب، في حال اللجوء إلى انتخابات جزئية أو تفعيل مسطرة التعويض، إذ يؤول المقعد الشاغر في هذه الحالة إلى مترشحة.

وفي هذا السياق، سجلت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مريم بليل، أن حصر اللوائح الجهوية للنساء “ينطوي على إشارات رمزية، غير أن أثره على مستوى النتائج يظل محدودا”، مبرزة أن “الانتخابات السابقة أفرزت أيضا 90 مقعدا كانت جميعها من نصيب النساء، رغم أن اللوائح لم تكن حصرية عليهن”.

وأوضحت بليل، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن التوجه العام في القوانين الانتخابية اتجه نحو تكريس ضرورة رفع تمثيلية النساء، دون الرفع منها عدديا عبر توسيع نظام الكوطا، وهو ما يمكن اعتباره، بحسبها، “إشارة إيجابية موجهة للأحزاب من أجل تعزيز حضور النساء عبر الدوائر المحلية، وبناء الثقة في قدرتهن على التنافس والتمثيل”.

هذا الطرح الذي تؤكده الباحثة ينسجم مع تأكيد المنظومة الانتخابية الجديدة على أن تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية للترشيحات النسوية “لا يحول دون حقهن في الترشح برسم الدوائر الانتخابية المحلية”، إذ يعتبر “آلية مرحلية تهدف إلى تأهيل النساء وإكسابهن التجربة اللازمة التي سوف تساعدهن على خوض غمار التنافس البرلماني في ما بعد برسم الدوائر الانتخابية المحلية”.

التحفيزات المالية.. رافعة لدعم مشاركة الشباب والنساء

وإلى جانب إعادة تنظيم آلية الترشيح الجهوي، أقرت المنظومة الانتخابية الجديدة تحفيزات مالية مهمة لفائدة لوائح الترشيح الجهوية التي تضم حصريا مترشحات لا تتجاوز أعمارهن 35 سنة، سواء حصلن على تزكيات من أحزاب سياسية أو مترشحات بدون انتماء حزبي.

كما تم الرفع من قيمة الدعم العمومي السنوي الممنوح للأحزاب السياسية عن كل مقعد يفوز به شاب أو شابة دون سن 35 سنة، أو مغربي مقيم بالخارج، برسم الدوائر المحلية، إلى ست مرات قيمة الدعم المخصص لباقي المترشحين، مع توسيع نطاق هذه الآلية ليشمل الأشخاص في وضعية إعاقة.

وترى مريم بليل أن إقرار التحفيزات المالية يعد من الآليات المعتمدة في عدد من التجارب الديمقراطية لرفع تمثيلية بعض الفئات، وعلى رأسها الشباب والنساء، وبالتالي تجديد النخب النسائية وتعزيز حضور الشابات داخل مجلس النواب، مشيرة إلى أن “الطموح كان ربط التحفيزات المالية للأحزاب بترشيح النساء فقط، وهو ما قدمته عدد من نائبات الأغلبية والمعارضة كمقترحات ستساهم بلا شك بشكل إيجابي في تعزيز تمثيليتهن”.

وأضافت الباحثة أنه من شأن تفعيل هذا المقترح، مستقبلا، دفع الأحزاب السياسية نحو تعزيز حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة عموما، والبرلمان بشكل خاص “بمنطق تشجيع حقيقي لتمثيل النساء، لا بمنطق الاستجابة للقانون فقط (..) لتحقيق نسبة الثلث على الأقل”.

من الدعم العددي إلى ترسيخ ثقافة التنافس

وإلى جانب ما يتعلق بالانتخابات، تضمنت المنظومة الانتخابية مقتضيات تروم تعزيز حضور النساء في مسار تأسيس الأحزاب السياسية، من خلال اشتراط تمثيلية نسائية ضمن الأعضاء المؤسسين لا تقل عن الخمس، أي 400 امرأة على الأقل من ضمن ألفي مؤسس المطلوب قانونا، وهو ما يعكس توجها نحو إدماج المرأة في المشروع الحزبي منذ مراحله الأولى.

ويعكس هذا التطور انتقالا تدريجيا من منطق الضمان العددي الذي ميز مرحلة الكوطا، إلى مقاربة تسعى إلى ترسيخ ثقافة التنافس السياسي والمشاركة المستدامة، مع تحميل الأحزاب السياسية دورا محوريا في تنزيل هذه المقتضيات، سواء عبر منح التزكيات أو وضع المترشحات على رأس اللوائح الانتخابية.

وترى الباحثة بليل أنه من شأن هذا الإجراء إعداد نخب وكفاءات نسائية قادرة على التنافس الانتخابي على مستوى الدوائر المحلية لخوض الاستحقاقات التشريعية، مسجلة، بقدر من الحذر، “ما تثيره الترشيحات النسائية الجهوية من إشكالية جودة النخب النسائية من حيث التكوين السياسي والمسار النضالي والإيمان بالقضايا الكبرى وعلى رأسها القضية النسائية”.

وفي أفق الاستحقاقات المقبلة، يظل الرهان قائما على مواصلة هذا المسار المتدرج، بما يعزز حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية، ليس فقط من حيث العدد، بل أيضا من حيث الفعالية والمساهمة في العمل التشريعي والرقابي، والدبلوماسي أيضا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *