“دراما رمضان وتطبيع التفاهة: حين تُختزل الأسرة المغربية في لغة الزنقة”

“دراما رمضان وتطبيع التفاهة: حين تُختزل الأسرة المغربية في لغة الزنقة”
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

لم يعد النقاش حول المسلسلات الرمضانية يقتصر على ضعف الحبكة الدرامية أو فقر الإخراج فحسب، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بالرسائل الثقافية والقيمية التي تبثها هذه الأعمال داخل البيوت المغربية. فالمتابع لكثير من الإنتاجات التلفزية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ بوضوح وجود محاولة غير بريئة لتطبيع مجموعة من السلوكات والمصطلحات التي لا تمت بصلة للقيم الاجتماعية والثقافية التي نشأ عليها المجتمع المغربي.
لقد تحولت بعض الأعمال الدرامية إلى فضاء لتكريس ما يمكن تسميته بـ”لغة الزنقة”، حيث تُستعمل مصطلحات سوقية وإيحاءات لفظية وحركية لا تنتمي إلى قاموس الأسرة المغربية ولا إلى تقاليدها في التخاطب والاحترام المتبادل. والأخطر من ذلك أن هذه اللغة تُقدَّم أحياناً في قالب كوميدي أو ترفيهي، مما يجعلها تبدو عادية أو مقبولة لدى فئات واسعة من المتابعين، خصوصاً الأطفال والمراهقين الذين يتلقون هذه الرسائل دون قدرة كافية على التمييز النقدي.
إن المشكلة لا تكمن فقط في بعض العبارات أو المشاهد، بل في الصورة العامة التي تقدمها هذه الأعمال عن المجتمع المغربي. ففي كثير من المسلسلات، يتم تصوير الأسرة وكأنها فضاء للصراع الدائم، وتُختزل العلاقات الزوجية في التلاسن والتوتر والسخرية المتبادلة. كما يتم أحياناً تقديم الرجل في صورة شخصية فاقدة للهيبة أو الاحترام، بينما تُقدَّم المرأة في صورة مبالغ فيها من السيطرة أو الصدام، وكأن العلاقة بينهما قائمة على الهيمنة لا على التكامل.
هذه المعالجات الدرامية لا تعكس حقيقة المجتمع المغربي بقدر ما تساهم في تشويه صورته. فالأسر المغربية، في غالبيتها، ما تزال قائمة على قيم الاحترام والتكافل والتعاون بين الزوجين، كما أن المرأة المغربية كانت ولا تزال رمزاً للعطاء والكرامة والالتزام، والرجل المغربي ظل عبر التاريخ نموذجاً للوقار والمسؤولية داخل أسرته ومجتمعه.
لكن ما يُعرض اليوم على بعض الشاشات يوحي وكأن المجتمع يعيش حالة من الانفلات القيمي الشامل، وهو تصوير لا ينصف المغاربة ولا يعكس عمق ثقافتهم وتقاليدهم. فالفن الحقيقي لا يقوم على السخرية من المجتمع أو تشويه ملامحه، بل على فهمه بعمق وتقديم قضاياه بطريقة تحترم ذكاء الجمهور وخصوصية الثقافة الوطنية.
إن النقد هنا لا يستهدف عملاً بعينه، بل يتعلق بمنطق إنتاجي كامل أصبح يراهن على الإثارة السطحية واللغة السوقية لجذب المشاهدات، حتى ولو كان ذلك على حساب صورة المجتمع وقيمه. وهذا ما يفرض اليوم فتح نقاش جدي حول دور الدراما التلفزية: هل هي مجرد وسيلة للترفيه العابر، أم أنها مسؤولية ثقافية وأخلاقية تجاه المجتمع الذي تمثله؟
المغاربة لا يحتاجون إلى دراما تُعلّمهم لغة الشارع أو تطبع مع السلوكيات المنفلتة، بل يحتاجون إلى أعمال فنية تحترم ذكاءهم وتعكس تنوع مجتمعهم وعمق قيمه. دراما تبرز المرأة المغربية في أصالتها وكرامتها، وتقدم الرجل المغربي في وقاره ومسؤوليته، وتعكس حقيقة الأسرة المغربية التي ظلت، رغم كل التحولات، إحدى أهم ركائز التماسك الاجتماعي.
فالمجتمع الذي تُقدَّم له باستمرار صور مشوهة عن ذاته، قد يبدأ مع مرور الوقت في فقدان ثقته في قيمه الخاصة. ومن هنا فإن الدفاع عن صورة الأسرة المغربية ليس مجرد موقف محافظ، بل هو دفاع عن التوازن الثقافي والرمزي للمجتمع بأكمله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *