حين تتحول الندوة الصحفية إلى فرصة ضائعة: ملاحظات في تدبير صورة الكرة المغربية
ليست الندوات الصحفية مجرد لقاءات عابرة بين المسؤولين ووسائل الإعلام، بل هي لحظات تواصل مؤسسي تُختبر فيها صورة المؤسسات، ويُقاس فيها مستوى الاحترافية والقدرة على احترام الرأي العام. لذلك بدا مشهد الندوة الصحفية الأخيرة التي انتظرها المغاربة قرابة شهرين محبطاً لكثير من المتابعين، ليس بسبب مضمونها فقط، بل بسبب الطريقة التي أُديرت بها، والتي تركت انطباعاً عاماً بأن الأمر أقرب إلى ارتجال تنظيمي منه إلى حدث تواصلي مؤسسي يليق بصورة كرة القدم المغربية.
لقد بدا واضحاً منذ اللحظات الأولى أن هناك خللاً في الإعداد. فالأجواء التي سادت القاعة كانت أقرب إلى طابع جنائزي بارد منها إلى لحظة تواصلية يُفترض أن تحمل رسائل التفاؤل والتجديد. في مثل هذه المناسبات، يكون الإخراج التنظيمي جزءاً من الخطاب نفسه، لأن الشكل كثيراً ما يعكس مضمون المؤسسة ورؤيتها. غير أن ما وقع أعطى انطباعاً بغياب رؤية واضحة لكيفية إدارة حدث إعلامي بهذا الحجم.
من بين الملاحظات التي أثارت الكثير من النقاش أيضاً استعمال لغة أجنبية بشكل لافت في ندوة موجهة أساساً للصحافة المغربية والرأي العام الوطني. فالتواصل المؤسساتي الناجح يبدأ أولاً باحترام اللغة التي يفهمها الجمهور المعني. صحيح أن كرة القدم لعبة عالمية وأن الانفتاح اللغوي أمر طبيعي، لكن الأولوية في مثل هذه اللقاءات ينبغي أن تُمنح للغة الوطنية، مع توفير الترجمة عند الحاجة، لا العكس. فالأمر لا يتعلق فقط باللغة، بل بالرمزية أيضاً، وبالرسالة التي تُبعث إلى الرأي العام حول طبيعة العلاقة بين المؤسسة الرياضية وجمهورها.
كما أن تفاصيل صغيرة ظاهرياً كشفت عن ارتباك أكبر في التدبير التنظيمي. فالتذكارات التي قُدمت بدت متواضعة إلى حد أثار الاستغراب، حتى أن بعض المتابعين شبّهها بما يُقدم عادة في أنشطة جمعيات الأحياء. والواقع أن القيمة الرمزية للتكريم لا تقاس بثمن الهدية بقدر ما تقاس بطريقة تقديمها وبالسياق الذي تُوضع فيه. فبمبلغ بسيط لا يتجاوز خمسين ألف درهم كان من الممكن إخراج الحدث في صورة أكثر احتراماً للمؤسسة وللأشخاص المعنيين.
كان بالإمكان، مثلاً، اعتماد الترجمة الفورية لتوفير الوقت وضمان تواصل أكثر احترافية مع الصحافيين. وكان من الممكن أيضاً عرض شريط توثيقي يُلخص مسار المدرب الذي يُغادر، بما يحمله ذلك من اعتراف رمزي بمرحلة طُويت بكل أفراحها وخيباتها. فالثقافة الرياضية في الدول المتقدمة تقوم على احترام الذاكرة الرياضية وعلى تحويل لحظات المغادرة إلى لحظات اعتراف وتقدير.
وفي المقابل، كان من الممكن عرض شريط آخر يستحضر التجربة التي قادها محمد وهبي مع المنتخب في كأس العالم لأقل من عشرين سنة، لما لذلك من أثر تحفيزي وشحن معنوي للرأي العام الرياضي. فالأحداث الإعلامية الكبرى ليست مجرد إعلان لقرارات، بل هي أيضاً لحظات لبناء السردية الإيجابية حول المستقبل.
كما أن اختيار القاعة نفسها كان يمكن أن يعكس أجواء احتفالية أكثر حيوية، بدل ذلك الإحساس العام بالبرودة التنظيمية. فالفضاء في مثل هذه المناسبات ليس مجرد خلفية محايدة، بل عنصر أساسي في صناعة الصورة. وقد كان من الممكن أيضاً ضبط الترتيبات البروتوكولية بشكل أدق، لأن مشهد مغادرة المدرب السابق القاعة في الوقت الذي كان فيه المدرب الجديد يلقي كلمته بدا غريباً وغير مفهوم من زاوية التواصل الرمزي.
ولا يمكن إغفال جانب آخر لا يقل أهمية، وهو مكانة الصحافة الرياضية الوطنية. فخلال الأسابيع الماضية كان هناك شعور لدى عدد من الصحافيين بأن كرامتهم المهنية تعرضت لنوع من التهميش. وكان من الممكن أن تكون هذه الندوة فرصة لإعادة الاعتبار للصحافة المغربية عبر تنظيم محكم يليق بدورها كشريك أساسي في بناء صورة الكرة الوطنية.
بل إن حضور بعض اللاعبين الدوليين الحاليين أو السابقين، إضافة إلى شخصيات رياضية بارزة، كان سيمنح الحدث بعداً احتفالياً ورمزياً أكبر. ففي كرة القدم الحديثة، تُبنى الرمزية الرياضية أيضاً من خلال استحضار الذاكرة الجماعية للمنتخب الوطني، وإشراك مختلف الأجيال في لحظات التحول.
والمفارقة اللافتة أن نادياً مثل الرجاء الرياضي، بإمكاناته المحدودة مقارنة بمؤسسة وطنية كبرى، استطاع في آخر ندوة صحفية له أن يعتمد الترجمة الفورية بثلاث لغات وأن يقدم نموذجاً تنظيمياً محترماً. وهو ما يطرح سؤالاً بسيطاً: كيف يمكن لنادٍ بموارد محدودة أن ينجح في ما تعثر فيه جهاز يفترض أنه يتوفر على إمكانيات أكبر بكثير؟
إن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة سمعة طيبة في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، سواء على المستوى الإفريقي أو الدولي. وقد أصبح معروفاً بقدرته على تنظيم الأحداث بكفاءة وكرم كبيرين. لذلك فإن أي ارتجال في تدبير الصورة الإعلامية للمؤسسات الرياضية يبدو خارجاً عن هذا المسار الإيجابي.
المسألة في النهاية ليست مجرد ندوة صحفية عابرة، بل هي مسألة تتعلق بثقافة التدبير وبفلسفة التواصل المؤسساتي. ففي زمن الصورة، لم يعد الرأي العام يحكم على المؤسسات فقط من خلال نتائجها، بل أيضاً من خلال الطريقة التي تقدم بها نفسها وتحترم بها جمهورها.
ولعل الدرس الأهم من هذه الواقعة هو أن النجاح الرياضي يحتاج إلى ما هو أكثر من الفوز في المباريات. إنه يحتاج أيضاً إلى إدارة احترافية للصورة، وإلى احترام الرمزية، وإلى وعي بأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق الكبير في نظر الجمهور.
فالكرة المغربية اليوم ليست مجرد لعبة، بل أصبحت جزءاً من صورة المغرب في الخارج. ومن هنا فإن كل حدث إعلامي مرتبط بها ينبغي أن يُدار بالقدر نفسه من الاحترافية والاحترام الذي يليق بمكانة بلد جعل من الرياضة إحدى واجهاته الحضارية.

