من يحمي المغاربة من جشع السوق؟
من يراقب السوق؟
من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة؟
من يضع حداً لفوضى الأسعار كلما حلّت مناسبة دينية أو اجتماعية؟
من يحاسب “الشناقة” الذين يحوّلون أفراح الناس إلى مواسم للافتراس؟
أسئلة تتكرر كل عام، وكل موسم، وكل مناسبة. ترتفع الأسعار فجأة، يتضاعف ثمن السمك، تقفز أسعار الخضر، وتتحول الأسواق إلى ساحات مضاربة لا تراعي لا ضميراً ولا قانوناً. المغاربة يطحنون المغاربة، والمستهلك هو الحلقة الأضعف دائماً.
بين حرية السوق وواجب الدولة
صحيح أن الاقتصاد المغربي يقوم على مبدأ حرية المبادرة والمنافسة، لكن الحرية لا تعني الفوضى، والمنافسة لا تعني الاحتكار، والسوق لا يمكن أن يتحول إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف.
إن المجلس الأعلى للحسابات يراقب صرف المال العام، لكن من يراقب جيوب المواطنين وهي تُستنزف يومياً؟
ومجلس المنافسة موجود لضمان الشفافية ومحاربة الممارسات المنافية للمنافسة، لكن هل تدخله بالسرعة والصرامة الكافيتين؟
ووزارة الداخلية تشرف على لجان المراقبة، لكن لماذا تغيب هذه اللجان حين ترتفع الأسعار بشكل صاروخي؟
الدستور المغربي واضح في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي حماية حقوق المواطنين، وعلى رأسها الحق في العيش الكريم. والقدرة الشرائية ليست ترفاً، بل هي جزء من الكرامة الإنسانية ومن الاستقرار الاجتماعي.
السمك والخضر… نموذج الانفلات
السمك الذي يُصاد من السواحل المغربية ويُفرغ في الموانئ المغربية، لماذا يصل إلى المواطن المغربي بأثمان تفوق قدرته؟
أين تذهب حلقات الوساطة؟
كم وسيطاً يمر منه المنتوج قبل أن يصل إلى المستهلك؟
ومن يضبط هوامش الربح؟
الخضر التي تُنتج في الحقول القريبة، لماذا يتضاعف ثمنها بين الضيعة والسوق؟
هل المشكل في النقل؟
في التخزين؟
أم في المضاربة المقصودة التي تنتعش في غياب الردع؟
حين تصبح المناسبات الدينية فرصة لرفع الأسعار بدل ترسيخ قيم التضامن، فنحن أمام خلل أخلاقي قبل أن يكون اقتصادياً.
مقاربة دستورية لتحميل المسؤوليات
الدولة ليست متفرجاً.
الحكومة ليست وسيطاً محايداً بين التاجر والمستهلك.
البرلمان ليس فضاءً للخطابات فقط.
الفصل المتعلق بحماية المستهلك يحمّل السلطات العمومية مسؤولية ضمان شفافية المعاملات الاقتصادية. فهل تُفعَّل القوانين بصرامة؟
أين تفعيل المراقبة اليومية للأسواق؟
أين العقوبات الرادعة ضد المضاربين؟
أين نشر لوائح المخالفين للعموم لترسيخ الردع المجتمعي؟
المسؤولية مشتركة، نعم.
لكن المسؤولية السياسية والتنفيذية تبقى أولاً وأخيراً على عاتق الحكومة وأجهزتها الترابية.
ضرورة ضرب الشناقة من حديد
لا يكفي إصدار البلاغات.
لا يكفي عقد الاجتماعات.
لا يكفي تعليق الارتفاعات على شماعة “السوق الدولية”.
المطلوب:
تفعيل صارم لقوانين المنافسة وزجر الاحتكار.
مراقبة يومية للأسواق، لا موسمية.
تتبع سلاسل التوزيع لكشف حلقات الريع.
دعم مباشر للمنتجين الصغار لتقليص عدد الوسطاء.
اعتماد تسقيف مرحلي للأسعار عند الضرورة، حمايةً للسلم الاجتماعي.
الدولة التي لا تتدخل حين ينهك المواطن، تترك فراغاً خطيراً. والفراغ في الاقتصاد تملؤه المضاربة، وفي المجتمع يملؤه الاحتقان.
من يحمي المغاربة؟
سؤال بسيط… لكنه ثقيل.
هل ننتظر أن يصير الغلاء قدراً؟
هل نقبل أن تتحول الأسواق إلى ساحات استنزاف؟
هل يبقى المستهلك وحيداً في مواجهة شبكات لا ترى فيه إلا رقماً؟
المغاربة لا يطلبون صدقة.
ولا يطلبون دعماً استثنائياً.
إنهم يطلبون فقط سوقاً عادلة، وقانوناً يُطبق، ودولة تحميهم من النزيف.
فمن يراقب؟
ومن يحاسب؟
ومن يضع حداً للشناقة؟
الجواب ليس شعاراً… بل قرار.

