إرث بنعيسى تحت المجهر: هل تستيقظ أصيلة على أنين جيرانها المنكوبين في القصر الكبير؟
مجلة 24 : أصيلة
بما أن رحيل محمد بن عيسى قد ترك فراغا في رئاسة المجلس البلدي لأصيلة ورئاسة منتدى أصيلة، فإن المسؤولين الحاليين يجدون أنفسهم اليوم أمام تركة ثقيلة وإرث يمزج بين بريق العالمية ومرارة العتاب المحلي. إن توالي الأحداث، خاصة تلك المتعلقة بالنكبات التي أصابت الجوار في القصر الكبير، يفرض عليكم اليوم خطابا جديدا يتجاوز لغة الاحتفاليات، فمن غير المقبول أن تستمر أصيلة كـجزيرة معزولة من الرفاهية الثقافية بينما يئن جيرانها من آثار الكارثة ، وكأن الجمال ينتهي عند حدود المدينة الإدارية.
إن صمتكم المطبق تجاه مآسي القصر الكبير يطرح علامات استفهام حارقة حول دوافع هذا الغياب؛ فهل هو ارتباك البدايات بعد رحيل المايسترو الذي كان يمسك بكل الخيوط؟ أم هو استمرار في نهج الانعزالية النخبوية التي ترى في أصيلة محمية ثقافية لا صلة لها بأوجاع محيطها الترابي؟ يبدو أن الصمت هنا يعكس عجزا عن ابتكار نموذج تضامني يتجاوز حدود البروتوكول، وخوفا من تحمل مسؤوليات تتجاوز تزيين الجدران، مما يجعل القيادة الحالية تبدو وكأنها تدير ظلها لا واقعها، وتكتفي بمشاهدة الفيضان في بيت الجار دون أن تحرك ساكنا.
إن رئاسة المجلس البلدي اليوم مطالبة بتبني سياسة الجوار الجيد والمبادرة التضامنية، فالمنصب ليس مجرد تدبير للإنارة والنظافة داخل الأسوار، بل هو دور قيادي يتطلب مد جسور الإغاثة والتعاون مع المناطق المنكوبة. ساكنة القصر الكبير لا تنظر إليكم كمدبرين محليين فحسب، بل كخلفاء لرجل جعل من العلاقات الدولية رأسماله، وهو الرأسمال الذي يجب أن يسخر اليوم لخدمة الإنسان في المنطقة برمتها، خاصة أولئك الذين فقدوا مساكنهم أو سبل عيشهم، بعيدا عن منطق الواجهة الذي طبع المرحلة السابقة.
أما مؤسسة منتدى أصيلة، فعليها أن تخرج من برجها العالي لتثبت أن الثقافة ليست مجرد لوحات تجميلية أو ندوات فكرية للنخبة، بل هي موقف إنساني قبل كل شيء. إن صمت المنتدى تجاه نكبة القصر الكبير يكرس صورة ذهنية سلبية مفادها أن الفن في أصيلة منفصل عن وجع الناس. عليكم أن تدركوا أن شرعية الاستمرار في قيادة هذا الصرح الثقافي ترتبط بمدى قدرتكم على تحويل القوة الناعمة للمنتدى إلى فعل تضامني ملموس يواسي المنكوبين ويساهم في تنمية الإقليم بشكل متكامل لا يتجزأ.
إن الوفاء الحقيقي لروح المرحلة السابقة لا يكون بتكرار نفس الأخطاء أو الاكتفاء بالحفاظ على المكتسبات، بل بالجرأة على التصحيح. أصيلة اليوم تحت قيادتكم أمام اختبار أخلاقي: إما أن تظل مدينة للعرض فقط، أو تتحول إلى قاطرة للتنمية الحقيقية التي تشعر بآلام القصر الكبير وتتحرك لنجدتها، لتبرهنوا للجميع أن القيادة الحالية تملك من الإرادة ما يكفي لجعل الثقافة والسياسة في خدمة المنكوب قبل المثقف.

