تحت قيادة جلالة الملك.. الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة تزداد ترسخا
تعد العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة من أقدم وأمتن الشراكات الدبلوماسية التي أقامها المملكة. فهي تقوم على تاريخ فريد، وتلاقي دائم في المصالح الاستراتيجية، وتعاون متعدد الأبعاد ما فتئ يتعزز عبر العقود، رغم التحولات الجيوسياسية العميقة على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد تجسدت متانة هذه العلاقة مؤخرا من خلال الرد الإيجابي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام كعضو مؤسس إلى مجلس السلام، في خطوة تندرج ضمن دينامية من الثقة الاستراتيجية المتبادلة.
ويحتل المغرب، في هذا السياق، مكانة خاصة في تاريخ الولايات المتحدة، إذ كان سنة 1777 أول بلد في العالم يعترف رسميا باستقلالها. وقد أسس هذا الاعتراف المبكر، الذي أعقبه توقيع أول معاهدة صداقة مغربية-أمريكية سنة 1786، لرصيد متين من الثقة والتقدير المتبادل بين البلدين.
وأرست هذه العلاقة التاريخية أسس شراكة نادرة، قائمة على احترام السيادة، واستمرارية التوجهات السياسية، ورؤية مشتركة للاستقرار. وقد ترجمت هذه الأسس إلى تبادلات مكثفة، خاصة في المجالين الثقافي والتعليمي، من خلال برامج رائدة مثل “فولبرايت”، فضلا عن تعزيز تدريجي للروابط الاقتصادية والاستراتيجية.
ومع مرور الزمن، تبلورت هذه العلاقة الثنائية في إطار شراكة استراتيجية شاملة. ففي سنة 2004، حصل المغرب على صفة حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي، بما كرس دوره كشريك موثوق ومستقر وذي مصداقية في منطقة تعج بالتحديات والاضطرابات.
وتظل التعاونات الأمنية أحد الركائز الأساسية لهذه الشراكة. فمنذ سنة 2014، يشارك المغرب في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، ويضطلع بدور فاعل في تعزيز الأمن على الصعيدين الإقليمي والقاري. كما تعكس المناورات العسكرية المشتركة، وعلى رأسها تمرين “الأسد الإفريقي”، مستوى التنسيق الوثيق والمستدام بين البلدين، سواء على الصعيد العملياتي أو الاستراتيجي.
وحتى خلال التظاهرات الدولية الكبرى، تحظى الخبرة المغربية بتقدير خاص. فبمناسبة كأس إفريقيا للأمم 2025، أثارت تجربة المملكة في مجال التدبير الأمني اهتمام شركاء أمريكيين، في دلالة على الثقة الممنوحة للكفاءات المغربية في السياقات الحساسة.
وإلى جانب البعد العسكري، تتميز العلاقة المغربية-الأمريكية بطابعها الشمولي. إذ يشكل اتفاق التبادل الحر، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2006، ركيزة أساسية للتبادلات الاقتصادية الثنائية، حيث أسهم في تنشيط المبادلات التجارية، وجذب الاستثمارات الأمريكية، وتعزيز موقع المغرب كمنصة استراتيجية تربط بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وتتوطد هذه الدينامية الاقتصادية بروابط إنسانية متينة، تجسدها الجالية المغربية المهمة المقيمة بالولايات المتحدة، إلى جانب تعاون ثقافي وأكاديمي مستمر، بما يعمّق البعد المجتمعي لهذه الشراكة.
وتندرج الدعوة التي وجهها دونالد ترامب إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس للانضمام كعضو مؤسس في مجلس السلام ضمن هذا الإطار العام، إذ تعكس تقدير الدور الفاعل والبناء الذي يضطلع به جلالته في تعزيز السلم والاستقرار، ولا سيما في السعي إلى إيجاد حل عادل ودائم للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.
ويتوفر المغرب، في هذا الصدد، على رصيد علاقاتي متميز، يمكنه من الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف المعنية. وقد تجسدت هذه المقاربة المتوازنة في مبادرات عملية، من بينها إيصال مساعدات إنسانية برًا إلى قطاع غزة، تأكيدًا على الالتزام الثابت للمملكة بدعم السكان المدنيين.
وفي ما يخص قضية الصحراء، فإن الموقف الأمريكي الذي يؤكد أن أي حل دائم لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، قد عزز الزخم الدولي الداعم لهذا الخيار الواقعي والبراغماتي. ويأتي هذا التقارب في إطار رؤية منسجمة للدبلوماسية المغربية، التي تضع القضية الفلسطينية في مستوى واحد مع قضية الوحدة الترابية للمملكة.
وتكمن إحدى أبرز نقاط قوة العلاقات المغربية-الأمريكية في استمراريتها، بغض النظر عن تعاقب الإدارات السياسية في واشنطن. فقد نظر الديمقراطيون والجمهوريون، على حد سواء، إلى المغرب دائما باعتباره شريكا موثوقا ومستقرا، قادرا على الإسهام في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة.
وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، عزز المغرب مكانته كفاعل دبلوماسي وازن، من خلال انتهاج دبلوماسية استباقية ومتوازنة وموجهة نحو المستقبل.
وهكذا، تتميز العلاقة بين المغرب والولايات المتحدة بعمقها التاريخي، وتماسكها الاستراتيجي، وقدرتها على الصمود، بما يؤكد أنها ليست تحالفا ظرفيا، بل شراكة راسخة الجذور في الزمن الطويل للتاريخ.

