حين تتحول الأرقام إلى رسالة صامتة من قمة الهرم القضائي

حين تتحول الأرقام إلى رسالة صامتة من قمة الهرم القضائي

بقلم: بوشعيب نجار 

بمناسبة افتتاح السنة القضائية 2026، وجّه الرئيس الأول لمحكمة النقض نداء صريحا إلى مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، دعا فيه إلى تجنب إغراق محكمة النقض بالطعون غير المجدية، وذلك عبر إرساء معايير وضوابط صارمة تحكم ممارسة الطعن بالنقض. نداء لم يأت من فراغ، بل استند إلى معطيات رقمية وإحصائية دقيقة تعكس حجم الضغط الذي باتت تعانيه أعلى هيئة قضائية في البلاد.

وأبرز الرئيس الأول في مداخلته، جدولا إحصائيا يبين أن قرارات محكمة النقض القاضية برفض الطلبات بلغت 28.425 قرارا، أي بنسبة 52,60% من مجموع القضايا المعروضة. في حين بلغ عدد القرارات القاضية بعدم القبول 4.677 قرارًا، بنسبة 8,65%، أما القرارات التي قضت بسقوط الطلبات فقد وصلت إلى 5.941 قرارا، بنسبة تناهز 11%.

ولم يقتصر التشخيص على الوضع الداخلي، بل تم تعزيزه بمقارنة دولية همّت عدد القضايا المسجلة بمحاكم النقض في بعض الدول الأوروبية، مع استحضار الفارق الديمغرافي. ففي المغرب، سُجل ما مجموعه 60.035 قضية على مستوى محكمة النقض، مقابل حوالي 20.700 قضية بفرنسا، و7.000 قضية بألمانيا، و36.800 قضية بإسبانيا. وهي أرقام تُظهر، بجلاء، تضخمًا لافتًا في عدد الطعون المسجلة بالمغرب مقارنة بهذه الدول.

ولا خلاف في أن هذا التضخم واقع ملموس، وإن اختلفت القراءات في تفسير أسبابه. غير أن المؤكد، كما يبرز من خلال المعطيات، أن الطاعن يتحمل المسؤولية الأساسية عندما يتعلق الأمر بعدم قبول الطعن، بسبب عدم استيفائه للشروط القانونية الشكلية أو الموضوعية المقررة.

وفي هذا السياق، يبدو تنبيه الرئيس الأول لمحكمة النقض مشروعا ومبررا، بل يدخل في صميم مسؤوليته المؤسساتية. فهو غير مطالب بإحصاء كل التفاصيل أو ذكر جميع الأسباب، بقدر ما يُنتظر منه دق ناقوس الخطر إزاء ظواهر سلبية من شأنها التأثير على جودة العدالة ونجاعتها.

ويفترض أن يشكل هذا التنبيه حافزا حقيقيا للجهات المعنية كافة وهي ليست جهة واحدة بالضرورة للرفع من مستوى كفاءة منتسبيها، سواء تعلق الأمر بالقضاة أو المحامين أو باقي المتدخلين في مسطرة الطعن. ذلك أن الطعون غير المقبولة لا تثقل كاهل العدالة فحسب، بل تسيء كذلك إلى ذوي المصلحة أنفسهم، الذين يلجؤون إلى محكمة النقض أملًا في إنصاف يعتبرونه مفقودًا، عن حق أو عن غير حق.

ومن اللازم، في هذا الإطار، استحضار أن القانون يعاقب القاضي الذي يرتكب خطأ غير مغتفر في إصدار أحكامه. ومن باب أولى، يقتضي المنطق القانوني ذاته مساءلة كل من يمارس الطعن، متى ثبت أن تقصيره الفاحش أدى إلى التصريح بعدم القبول أو بسقوط الطلب. إذ إن ترتيب المؤاخذة التأديبية في مثل هذه الحالات من شأنه الارتقاء بمستوى الطعون وتحسين جودة الممارسة المسطرية.

غير أن ترشيد الطعون لا ينبغي أن يقف عند حدود السلوك المهني للمتدخلين فحسب، بل يتعين أن يشمل أيضًا مراجعة بعض المقتضيات المنظمة لعمل محكمة النقض. وفي هذا الصدد، يبرز اقتراح وجيه يتمثل في إعادة النظر في إلزام المحكمة باستعراض الوقائع في جميع قراراتها، والاكتفاء عند الاقتضاء، بالجواب عن وسائل النقض فقط، باعتبارها محكمة قانون لا محكمة وقائع. إجراء من هذا القبيل من شأنه التخفيف عن القضاة، واختصار الزمن القضائي، وتحسين مردودية العمل القضائي.

وهي الأفكار التي عبّر عنها وزير العدل السابق، مصطفى الرميد، في تدوينة له على صفحته الرسمية بموقع “فيسبوك”، حيث تفاعل مع معطيات افتتاح السنة القضائية، مؤكدا أن إصلاح منظومة الطعن بالنقض يظل مدخلا أساسيا لتحقيق عدالة ناجعة، متوازنة، وذات جودة.

في المحصلة يظل النقاش حول تضخم الطعون فرصة حقيقية لإعادة التفكير في شروط الولوج إلى محكمة النقض، بما يضمن التوفيق بين حق التقاضي من جهة، وحسن سير العدالة وفعاليتها من جهة أخرى، بعيدا عن كل تبسيط أو اختزال.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *