بين وهم التتويج وحقيقة البناء: دروس الهزيمة وفتنة النجاح في كرة القدم المغربية
د.طلوع عبدالإله: كاتب رأي
الخسارة في كرة القدم ليست نهاية العالم، ولا تشكّل في حد ذاتها فشلًا وجوديًا أو وصمة تاريخية. فهي جزء من منطق اللعبة، ومن دينامية التنافس، ومن دورة الصعود والهبوط التي تعرفها كل المنتخبات دون استثناء. لم يكن المنتخب المغربي أول من يغادر بطولة قارية دون لقب، ولن يكون الأخير، مهما تضخمت التوقعات وتراكمت الأحلام. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الخسارة ذاتها، بل في كيفية استقبالها، وفي قدرتنا على تحويلها إلى درس جماعي، بدل تحويلها إلى مناسبة للبكاء، أو التبرير، أو إعادة إنتاج الأوهام.
لقد كشفت كأس إفريقيا الأخيرة، بقدر ما أبرزت حجم التطور الكبير الذي بلغه المغرب على مستوى التنظيم والبنيات التحتية، عن مجموعة من الاختلالات العميقة التي لا يجوز القفز عليها أو تمييعها. أول هذه الحقائق أن تردد المغرب، لعقود طويلة، في احتضان كأس إفريقيا لم يكن ناتجًا عن ضعف أو عجز، بل عن حسابات عقلانية دقيقة. فهذه البطولة، في صيغتها الحالية، لا تحقق عائدًا اقتصاديًا أو رياضيًا يوازي حجم الإنفاق الضخم الذي تتطلبه، خاصة حين تُنظَّم وفق معايير حديثة قريبة من النموذج الأوروبي.
لقد أبان التنظيم المغربي عن فجوة واضحة بين البنية التحتية المتطورة والعقلية السائدة داخل جزء من المنتخبات والجماهير الإفريقية. تنظيم صارم، ملاعب حديثة، لوجستيك محكم، وأمن عالي المستوى، اصطدم بسلوكيات لا تزال أسيرة الارتجال، والضغط غير الرياضي، والانفلات العاطفي، وخلط الرياضة بالحسابات الجانبية. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام بطولة تُدار بعقلية احترافية حقيقية، أم مجرد منافسة تحكمها الفوضى المقنّنة؟
على المستوى التقني، يفرض النقاش حول وليد الركراكي نفسه بعيدًا عن منطق التقديس أو تصفية الحسابات. فالمدرب، مهما بلغت شعبيته، يظل جزءًا من منظومة قابلة للتقييم والمساءلة. لا يمكن إنكار أن الركراكي قاد المنتخب المغربي إلى إنجاز تاريخي غير مسبوق في كأس العالم، ونجح في لحظة استثنائية في توحيد المغاربة حول منتخبهم، وبناء روح جماعية قوية داخل المجموعة. ذلك إنجاز سيظل محفورًا في الذاكرة الكروية الوطنية.
لكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا الإنجاز إلى صكّ حصانة دائم، يُعطّل النقد، ويجمّد التطور. ما أظهرته كأس إفريقيا الأخيرة أن الركراكي لم ينجح في تحويل النجاح العالمي إلى مشروع تقني مستدام. الأداء كان متذبذبًا، الخيارات التكتيكية افتقدت للوضوح في أكثر من محطة، والتعامل مع لحظات الضغط اتسم أحيانًا بالحذر المفرط، وأحيانًا بالارتباك. لم تتشكل هوية لعب مستقرة، ولم يظهر المنتخب بصورة الفريق القادر على فرض إيقاعه، بل بدا في لحظات كثيرة أسير ردّ الفعل لا الفعل.
المشكلة ليست في الخسارة في حد ذاتها، بل في غياب الإقناع على مستوى المسار. منتخب يضم واحدًا من أقوى الأجيال من حيث الجودة الفردية، والاحتراف في أكبر الدوريات الأوروبية، كان يُنتظر منه مستوى أعلى من التحكم، والمرونة التكتيكية، والقدرة على قراءة الخصوم الإفريقيين بخصوصياتهم المختلفة. وهو ما لم يتحقق بالشكل المطلوب.
الأخطر من ذلك أن النجاح السابق ساهم في صناعة صورة “المدرب المُخلِّص”، وهي صورة غير صحية في كرة القدم الحديثة. فحين يتحول المدرب إلى أيقونة فوق النقد، تتوقف آليات التصحيح، ويُختزل المشروع في شخص واحد. البناء الحقيقي لا يقوم على الأفراد، مهما كانت كفاءتهم، بل على مؤسسات قوية، ورؤية واضحة، ونقد داخلي دائم.
أما الإعلام الرياضي المغربي، فقد ظهر – مرة أخرى – كحلقة ضعيفة في هذه المعادلة. إعلام يشتغل بمنطق التهليل المفرط عند الانتصار، وبمنطق الصمت أو التبرير عند الهزيمة. إعلام عاجز عن الدفاع عن صورة بلده، أو عن تفكيك الهجمات الممنهجة التي استهدفت المغرب ومنتخبه خلال البطولة. لا استراتيجية تواصلية، ولا خطاب عقلاني، ولا قدرة على فرض رواية مغربية متماسكة في الفضاءين الإفريقي والدولي.
لقد أبانت البطولة أن المعركة لم تعد تُخاض فقط داخل المستطيل الأخضر، بل في الإعلام، وفي الرأي العام، وفي إدارة الصورة. ومع ذلك، ظل خطابنا مرتبكًا، انفعاليًا، وموسميًا، لا يرقى إلى حجم التحديات التي يفرضها موقع المغرب الجديد كقوة تنظيمية ورياضية صاعدة.
ورغم كل ذلك، لا يجوز إنكار حقيقة أساسية: المغرب ربح الكثير. ربح احترام العالم من حيث التنظيم، وأكد جاهزيته لاحتضان أكبر التظاهرات القارية والدولية، وراكم تجربة مؤسساتية ثمينة. لكن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا حين نمتلك شجاعة النقد، وجرأة المراجعة، ونضج الفصل بين الإنجاز والتهليل.
كرة القدم ليست معركة كرامة وطنية، ولا مسرحًا لصناعة الأبطال الوهميين، بل مشروعًا استراتيجيًا طويل النفس، يحتاج إلى عقل بارد، ومؤسسات قوية، وإعلام مسؤول، ومدربين يُقيَّمون ويُحاسَبون لا يُقدَّسون. وحدها هذه الشروط كفيلة بأن تجعل من الخسارة خطوة إلى الأمام، لا مدخلًا جديدًا للسقوط في فتنة النجاح ووهم التتويج.

