جيل Z و التحول الرقمي : عندما تكشف الأجيال الجديدة أزمة الشرعية في النظام الليبرالي الرأسمالي
لم يعد من الممكن تناول جيل Z بوصفه مجرد فئة عمرية ذات خصائص نفسية أو سلوكية مميزة، بل بات فاعلًا إجتماعيًا و سياسيًا تشكّل وعيه داخل سياق تاريخي خاص، يتسم بالاتصال الرقمي الدائم، و الهشاشة الإقتصادية، و تراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
و نتيجة لذلك، أصبحت علاقة هذا الجيل بالسلطة و السوق و الدولة الدستورية مختلفة جذريًا عن علاقة الأجيال السابقة، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في نماذج التنشئة السياسية الكلاسيكية و أدوات التحليل التقليدية.
و يطرح هذا التحول سؤالًا مركزيًا: هل يشكّل جيل Z تهديدًا للإستقرار السياسي، أم أنه التعبير البنيوي الأوضح عن أزمة عميقة تعيشها الليبرالية الرأسمالية و الديمقراطية الدستورية المعاصرة ؟
و بصيغة أدق : كيف أعاد التحول الرقمي تشكيل تصور هذا الجيل للسلطة و الشرعية ؟ و إلى أي مدى أخفقت الرأسمالية النيوليبرالية في إدماجه إجتماعيًا و إقتصاديًا ؟ و هل يمثل هذا الجيل تحديًا للدولة الدستورية، أم أنه يكشف عن قصورها البنيوي ؟ ثم، هل لا تزال الديمقراطية التمثيلية قادرة على التكيّف مع صعود فاعل سياسي شبكي، سريع الحركة، متقلب الإنتماء ؟
تنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن تشكك جيل Z في المؤسسات السياسية لا ينبع من نزعة راديكالية جيلية، بقدر ما يعكس تراجع أداء تلك المؤسسات و فقدانها لخطاب الشرعية المقنع.
كما تفترض أن الرأسمالية النيوليبرالية فقدت قدرتها على إنتاج وعد إجتماعي قابل للتصديق، في ظل تفاقم اللامساواة و هشاشة سوق العمل، و أن الشبكات الرقمية أضعفت الوساطة السياسية التقليدية دون أن تُلغي دور الدولة.
و الأهم أن الأزمة التي يكشفها هذا الجيل ليست أزمة قانونية أو دستورية شكلية، بل أزمة تمثيل و مشاركة سياسية.
في هذا السياق، يكتسي مفهوم الشرعية أهمية مركزية. فبحسب يورغن هابرماس، تقوم الشرعية الديمقراطية على وجود مجال عام تداولي عقلاني تُبنى داخله القرارات السياسية عبر النقاش العمومي.
غير أن الفضاء الرقمي أعاد تشكيل هذا المجال، فجعله أكثر تفككًا و تسارعًا وأقل خضوعًا للوساطة المؤسسية.
و قد نشأ جيل Z داخل هذا المجال الجديد، ما جعله أقل قابلية لتقبّل الشرعية التقليدية القائمة على التمثيل الهرمي و التراتبية السياسية.
و من زاوية أخرى، يقدّم مانويل كاستلز تصورًا للسلطة بإعتبارها موزعة داخل شبكات، لا متمركزة داخل مؤسسات عمودية.
و يجسّد جيل Z هذا التحول من خلال ممارساته السياسية القائمة على التعبئة الرقمية، و التأثير الأفقي، و العمل الرمزي، و هو ما أضعف إحتكار الأحزاب و النقابات و المؤسسات التمثيلية لآليات الفعل السياسي.
أما على المستوى الإجتماعي و النفسي، فيفسّر زيغمونت باومان وضعية هذا الجيل من خلال مفهوم “الحداثة السائلة”، حيث يغيب الإستقرار الوظيفي و اليقين الهوياتي، و تتحول الحياة إلى مسار هش مفتوح على القلق الدائم.
هذه الهشاشة لا تُنتج بالضرورة ثورة أيديولوجية، بقدر ما تولّد نقدًا أخلاقيًا عميقًا لمنظومة إقتصادية تختزل الإنسان في قيمته الوظيفية و تعامله ككيان قابل للإستبدال.
و يتعزز هذا النقد في ضوء تحليلات توما بيكيتي، الذي يبيّن أن الرأسمالية المعاصرة تعيد إنتاج اللامساواة بشكل بنيوي، حيث يفوق عائد رأس المال معدل النمو الإقتصادي.
و قد نشأ جيل Z في ظل هذا الاختلال البنيوي، ما أدى إلى انهيار الإيمان بوعد الجدارة الإجتماعية القائم على التعليم و العمل و الجهد الفردي.
دستوريًا، يكشف هذا الجيل عن تحولات عميقة تمس مفهوم السيادة ذاته. فلم تعد الدولة الفاعل الوحيد في إنتاج القواعد و الضبط، إذ باتت المنصات الرقمية تمارس سلطة شبه سيادية على البيانات، و الخطاب العام، و الإنتباه الجمعي.
و يُدرك جيل Z هذه الحقيقة، و يتعامل مع الشركات التكنولوجية بوصفها مراكز قوة قد تفوق في تأثيرها المؤسسات المنتخبة.
كما يرتبط وعيه السياسي إرتباطًا وثيقًا بالمطالبة بحقوق رقمية جديدة، من قبيل حماية المعطيات الشخصية، و شفافية الخوارزميات، و حرية التعبير في الفضاء الرقمي، و هي مطالب تدفع القانون الدستوري نحو أجيال جديدة من الحقوق تتجاوز الإطار الكلاسيكي للحقوق المدنية و السياسية.
و تبرز هنا أزمة التمثيل السياسي بوضوح، إذ تفترض الديمقراطية التمثيلية مشاركة دورية و هوية سياسية مستقرة، في حين يطالب جيل Z بمساءلة مستمرة، و مشاركة تفاعلية، و إستجابة فورية، ما يخلق فجوة متزايدة بين الشكل الدستوري و الممارسة السياسية الفعلية.
إن تصوير جيل Z بوصفه تهديدًا للإستقرار ينطلق من فهم محافظ للإستقرار بإعتباره غياب الإحتجاج و الإضطراب.
غير أن الإستقرار الحقيقي يكمن في قدرة النظام السياسي على إستيعاب التحولات الإجتماعية و التكنولوجية و التكيف معها. و بهذا المعنى، فإن جيل Z لا يزعزع النظام بقدر ما يزعزع الجمود.
خلاصة القول أن جيل Z لا يمثل قطيعة مع المسار التاريخي للدولة الحديثة، بل هو نتاج منطقي لتحولات بنيوية عميقة. و الأزمة الحقيقية لا تكمن في مطالبه، بل في عجز النظام الليبرالي الرأسمالي عن تجديد شرعيته داخل سياق رقمي متحوّل. إن تجاهل هذا الجيل ليس موقفًا محايدًا، بل خيارًا سياسيًا و دستوريًا ذا كلفة مرتفعة.

