المدرسة الرائدة: موديل لخوصصة التعليم العمومي
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي
لم تعد المدرسة الرائدة، كما يُراد تسويقها، فضاءً للتجديد التربوي بقدر ما أصبحت مختبرًا لتجريب نماذج جاهزة مستوردة في بعدها البيداغوجي والبيروقراطي.
فخلف الخطاب اللامع عن الجودة والابتكار، يتشكل واقع مدرسي يُفرغ المدرسة العمومية من روحها النقدية ورسالتها الاجتماعية.
البرنامج الدراسي لم يعد نتاجًا لحوار تربوي وطني، بل يأتي معلبًا من الأكاديميات، جاهزًا للتنزيل، غير قابل للنقاش أو التكييف.
هنا، لا مكان لاجتهاد الأستاذ ولا لخصوصيات المتعلم ولا للسياق الاجتماعي والثقافي للمؤسسة.
الأستاذ، الذي كان فاعلًا تربويًا ومثقفًا عضويًا داخل المجتمع، تحوّل تدريجيًا إلى منفذ تعليمات، أو بالأحرى إلى “حارس” يراقب تنزيل برنامج لا يملكه ولا يشارك في صياغته.
تمت مصادرة دوره البيداغوجي، وتجريده من سلطته الرمزية، باسم النجاعة والسرعة ومؤشرات الأداء.
أما المتعلم، فيُدفع نحو التعلم الآلي، حيث تُقاس الكفايات بالأرقام، وتُختزل المعرفة في مهارات تقنية معزولة عن التفكير النقدي والقيم الإنسانية.
مدرسة تصنع “روبوتات” مطيعة، لا مواطنين أحرارًا، ولا عقولًا قادرة على السؤال والاختلاف.
المدرسة الرائدة، في هذا السياق، ليست سوى واجهة ناعمة لخوصصة التعليم العمومي.
خوصصة لا تُعلن نفسها صراحة، لكنها تتسلل عبر المناهج، والتدبير، والتقييم، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين التربويين.
حين يُدار التعليم بمنطق المقاولة، يصبح المتعلم زبونًا، والأستاذ موظف تنفيذ، والمدرسة وحدة إنتاج.
وتُقصى الأسئلة الكبرى: العدالة التعليمية، تكافؤ الفرص، بناء المواطن، وربط المدرسة بمشروع مجتمعي ديمقراطي.
إن أخطر ما في هذا النموذج، أنه يُفرغ الإصلاح من بعده السياسي والقيمي، ويختزله في إجراءات تقنية معزولة عن رهانات المجتمع.
فالمدرسة ليست مصنعًا، والتعليم ليس خط إنتاج، والمعرفة لا تُختزل في مهارات قابلة للقياس فقط.
نحن اليوم أمام ضرورة إعادة طرح سؤال المدرسة العمومية: لمن؟ وبأي فلسفة؟ ولأي مجتمع؟
لأن مدرسة بلا أستاذ فاعل، وبلا حرية بيداغوجية، وبلا بعد نقدي، هي مدرسة تُعدّ لانكسار المستقبل لا لصناعته.

