من الذاكرة إلى القرار: كيف تصوغ الدولة تصوّرها للجار؟ قراءة مختلفة في التوتر المغربي-الجزائري
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع
باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب
لا يمكن مقاربة العلاقة المتوترة بين المغرب والجزائر فقط من زاوية الأحداث الدبلوماسية أو التصريحات المتبادلة، لأن هذه المظاهر ليست سوى أعراض لخلل أعمق يتصل بكيفية تشكّل الدولة، وبالطريقة التي تُنتج بها خطابها عن ذاتها وعن محيطها.
فالصراع هنا لا يتحرك بمنطق المصالح الظرفية وحدها، بل بمنطق الذاكرة السياسية وكيفية تحويلها إلى قرار وسياسة خارجية.
الاختلاف الجوهري بين البلدين لا يكمن في الجغرافيا، بل في علاقة كل دولة بتاريخها.
فالدولة ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل سردية كبرى تشرح بها وجودها وتبرر سلطتها، وعندما تختلف السرديات، تختلف زوايا النظر إلى الجار، ويتحوّل القرب الجغرافي إلى مسافة نفسية وسياسية واسعة.
في الحالة المغربية، تشكّلت الدولة عبر تدرّج تاريخي طويل، سمح بتراكم أشكال من الشرعية، وتداخل السياسي بالرمزي، والديني بالمؤسساتي.
هذا التراكم لم يُنتج فقط دولة، بل أنتج وعياً سياسياً يميل إلى الاستمرارية، وإلى تدبير الخلاف باعتباره جزءاً من الزمن، لا تهديداً وجودياً.
أما في الحالة الجزائرية، فقد وُلدت الدولة من لحظة قطيعة كبرى مع الاستعمار، لحظة حملت شحنة رمزية هائلة، لكنها في الوقت نفسه اختزلت التاريخ في حدث واحد. ومع مرور الزمن، تحوّلت تلك اللحظة من رصيد تحرري إلى إطار مغلق يُعاد إنتاجه في الخطاب السياسي، ويُستدعى كلما برزت أزمة داخلية أو إقليمية.
هنا بالضبط يتقاطع التاريخ مع علم النفس السياسي، فالدولة التي تخشى التشكيك في سرديتها المؤسسة تميل إلى توسيع دائرة الخصوم، وتبحث عن صراعات خارجية تمنحها تماسكاً داخلياً، في المقابل، الدولة الواثقة من تعددية ذاكرتها لا تحتاج إلى تضخيم العداء، لأنها لا تخشى النقاش حول ماضيها.
من هذا المنظور، يمكن فهم التوتر المغربي-الجزائري كنتاج لاختلال في علاقة الدولة بالذاكرة، فبينما ينظر المغرب إلى التاريخ كرصيد قابل للتحديث والتأويل، يُنظر إليه في الجزائر الرسمية كمنطقة محظورة، أي نقاش حولها يُعتبر تهديداً مباشراً لشرعية قائمة.
وليس من المصادفة أن يتخذ الخلاف بين البلدين طابعاً إيديولوجياً حاداً في بعض اللحظات، فحين تُختزل الدولة في سردية واحدة، يصبح الدفاع عنها دفاعاً عقائدياً، لا سياسياً، وحين تتحوّل السياسة إلى عقيدة، يغيب منطق التسوية، ويُستبدل بمنطق الاصطفاف والقطيعة.
من زاوية أخرى، يبدو أن المغرب اختار، في تعاطيه مع هذا الوضع، استراتيجية قائمة على البرود السياسي والاشتغال الهادئ، فبدلاً من الانجرار إلى صراع خطابي، راهن على تعزيز حضوره الاقتصادي، وتوسيع شراكاته الدولية، وتكريس الاستقرار الداخلي كرسالة غير مباشرة إلى الإقليم.
هذا الخيار ليس حياداً ولا ضعفاً، بل هو وعي بطبيعة الصراع وحدوده. لأن الدخول في مواجهة مفتوحة مع دولة تُعرّف نفسها من خلال الصراع، يعني الوقوع في الفخ نفسه. بينما بناء نموذج تنموي وسياسي متماسك هو، في العمق، أقوى رد استراتيجي.
كما أن الرهان المغربي على الزمن الطويل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات الإقليمية، فالأنظمة تتغير، والخطابات تتبدل، لكن ما يبقى هو قدرة الدولة على التكيّف مع المستقبل. والدولة التي تستثمر في شبابها، وفي اقتصادها، وفي صورتها الدولية، تقلّل من كلفة أي توتر إقليمي مهما طال.
إن التوتر بين المغرب والجزائر، بهذا المعنى، ليس قدراً أبدياً، بل نتيجة مرحلة تاريخية محددة، مرحلة لم تحسم فيها بعض الدول علاقتها بماضيها، ولم تنتقل بعد من منطق الشرعية الثورية إلى منطق الدولة الطبيعية.
وإلى أن يحدث هذا التحول، سيظل المغرب مطالباً بالاستمرار في سياسة النفس الطويل، لا بوصفها تكتيكاً ظرفياً، بل باعتبارها خياراً استراتيجياً. خيار يُراهن على أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالصوت العالي، بل يُبنى بهدوء، وعلى أن أقوى إجابة عن أي خطاب متشنج هي دولة واثقة من نفسها.
هكذا، يصبح الصراع المغربي-الجزائري أقل ارتباطاً بالحدود، وأكثر اتصالاً بسؤال الدولة الحديثة في شمال إفريقيا: هل نريد دولة تعيش على الذاكرة، أم دولة تُصالح الذاكرة وتبني بها المستقبل؟
والجواب عن هذا السؤال، وليس أي بيان سياسي، هو ما سيحدد شكل العلاقة بين البلدين في العقود القادمة.

