المهرجانات الثقافية: دعم للفن أم تبذير للمال العام؟
تُعدّ المهرجانات الثقافية أحد أبرز مظاهر النشاط الحضاري في المجتمعات المعاصرة، إذ تجمع بين الفن والتراث والتعبير الإبداعي، وتوفر منصّات للتبادل الثقافي وتلاقي الشعوب. لكنها في الوقت ذاته تثير جدلاً مستمرًا حول جدواها الاقتصادية، وشرعية الإنفاق العام عليها، خصوصًا في الدول التي تعاني من أزمات تنموية أو اقتصادية.
من منظور ثقافي، تُعتبر المهرجانات وسيلة فعّالة لدعم الفن والفنانين، عبر إتاحة فرص العرض والترويج والإنتاج المشترك. كما تسهم في ترسيخ الهوية الثقافية، وتوثيق التراث الشعبي، وتقديم الفنون المحلية لجمهور أوسع، مما يعزز الوعي الثقافي والانتماء الوطني. إضافةً إلى ذلك، تلعب دورًا مهمًا في الدبلوماسية الثقافية وترويج صورة الدولة على المستوى الدولي.
على الجانب الآخر، يُطرح سؤال جوهري: هل ما يُصرف على هذه الفعاليات يُعد استثمارًا أم تبذيرًا؟ بعض المهرجانات تتجاوز ميزانياتها الملايين، دون تحقيق عائد اقتصادي واضح، أو تأثير اجتماعي ملموس. في ظل أزمات البطالة والفقر ونقص الخدمات، يُنظر إلى الإنفاق على الحفلات والمهرجانات على أنه ترف غير مبرّر، ما يجعل البعض في المطالبة بإلغائها.
التحدي الحقيقي لا يكمن في إقامة المهرجانات أو إلغائها، بل في ضبط أولويات الإنفاق وضمان الشفافية. يجب أن تكون المهرجانات مدروسة الأهداف، مرتبطة بخطط التنمية الثقافية، خاضعة لتقييم الأثر، وتخدم المجتمع وليس نخبة محددة. ويُستحسن أن تدار بشراكات بين القطاعين العام والخاص لتقليل العبء على المال العام.
المهرجانات الثقافية ليست بطبيعتها إهدارًا للمال، ولا دعمًا مطلقًا للفن. المسألة تتعلق بالإدارة، والنوايا، والشفافية. حين يُدار الحدث الثقافي بعقلية التنمية والتأثير الإيجابي، يصبح استثمارًا حضاريًا ذا مردود مستدام. أما حين يغيب التخطيط وتعلو المصالح، فهو يتحول إلى عبء على الدولة والمجتمع.

