الفوضى الخلاقة تواصل خنق الفنيدق إهمال مقصود أم سياسة ممنهجة؟
تعيش مدينة الفنيدق على وقع فوضى متواصلة تتجلى في العشوائية والتسيب واحتلال الملك العمومي، مما يزيد من تعميق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل الحياة اليومية لسكانها كابوسًا لا ينتهي. كأن الأمر مقصود ومخطط له في تحدٍّ صارخ لكل القوانين، وكأن المدينة تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للإهمال، تُصنع فيها بيئة لا تليق إلا بالمشردين والمهاجرين السريين وكل من تقطعت بهم السبل.
إن مظاهر الفوضى في الفنيدق ليست مجرد صدفة أو نتيجة ظرفية، بل أصبحت سمة ثابتة في شوارعها وأزقتها. احتلال الأرصفة والأسواق العشوائية، غياب الرقابة، وتراكم المشاكل ،تفكك اسري، كلها عناوين قاتمة تحوّل المدينة إلى فضاء منكوب. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك أي إرادة حقيقية من الجهات المسؤولة لإيجاد حلول جذرية، بل على العكس، يستمر الوضع في التدهور وكأن هناك من يريد أن يجعل الفنيدق عاصمة للإهمال والفوضى.
وسط هذا المشهد المظلم، تتفاقم الأوضاع الاجتماعية للسكان الذين يعانون من البطالة وانعدام فرص العيش الكريم. الفقر والتهميش يدفعان الشباب إلى ركوب امواج الموت في مغامرة نحو المجهول، حيث أصبح البحر مقبرة مفتوحة لهم. لم تعد الأخبار عن جثث المهاجرين التي يلفظها البحر إلى شواطئ سبتة المحتلة أمرًا مفاجئًا، بل تحولت إلى مشهد متكرر يعكس حجم المأساة. إنها صرخة إنذار واضحة بأن الوضع بلغ مداه، وأن الإهمال الرسمي يدفع أبناء المدينة إلى طريق اللاعودة.
إذا استمرت هذه السياسات العقيمة في التعامل مع مشاكل الفنيدق، فإن المدينة ستظل أسيرة الفوضى والعشوائية، وستزداد معاناة سكانها. المطلوب ليس مزيدًا من التسويف والمماطلة، بل قرارات جريئة لإعادة الاعتبار للمدينة، من خلال فرض القانون، وتنظيم الفضاء العام، وخلق فرص اقتصادية حقيقية تمنح الشباب أملًا في المستقبل بدلًا من تركهم لقسوة البحر.
الفنيدق اليوم تحتاج إلى مبادرات حقيقية ضد الإهمال والتسيب و الفوضى الخلاقة، تحتاج إلى مسؤولين يعون خطورة الوضع، وإلى مجتمع مدني فاعل يرفض أن تظل المدينة رهينة سياسات فاشلة. فإما أن تُستعاد كرامة الفنيدق وسكانها، أو أن تبقى شاهدة على فشل منظومة بأكملها، حيث تُدفن الأحلام مع الجثث التي يلفظها البحر!

