مدريد: حين لا تكون المفاوضات سوى تفصيل في قرار محسوم

مدريد: حين لا تكون المفاوضات سوى تفصيل في قرار محسوم

بقلم: بوشعيب نجار

من منطلق مغربي حر، بلا عقد ولا نفاق سياسي، لا بد من تسمية الأشياء بمسمياتها، بعيدا عن لغة البيانات الدبلوماسية المعلّبة، وعن الأساطير التي يصرّ البعض على تسويقها للرأي العام تحت مسمى “المفاوضات” و“التسويات السياسية”.

ما وقع في مدريد لم يكن جلسة تفاوض بين أطراف متكافئة، ولا محاولة للبحث عن حل وسط يرضي الجميع. ما جرى هو حسم نهائي بمنطق القوة وموازين النفوذ، حيث دخل المغرب القاعة وهو يعلم مسبقًا أن الكفة راجحة، وأن القرار الاستراتيجي قد اتّخذ خارج القاعة قبل أن تُرتّب الطاولات.

الوسيط الأمريكي، الذي يُراد له أن يظهر في صورة الحكم المحايد، لم يكن يوما كذلك. انحيازه للمغرب ليس تفصيلا ولا قراءة مغرضة، بل حقيقة سياسية ثابتة تؤطرها اعتبارات جيوسياسية، ومصالح استراتيجية، ورؤية واضحة لمستقبل المنطقة. لذلك، فكل حديث عن “تفاوض” هو تبسيط مخل، بل وتضليل متعمد أحيانا.

المغرب لم يذهب إلى مدريد ليقايض، أو ليبحث عن اعتراف مشروط، أو ليقدم تنازلات رمزية. ذهب ليفرض رؤيته، ليس بمنطق الشعارات، بل بمنطق الدولة التي راكمت أوراق القوة: دبلوماسيًا، ميدانيًا، واقتصاديًا، وأمنيا. ذهب ليضع “دليل الإرشادات” لكيفية تدبير المنطقة تحت سيادته الكاملة، لا ليطلب الإذن من أحد.

في المقابل، الجزائر اليوم لم تعد في موقع الاختيار. زمن المناورة السياسية انتهى، واللعب على الحبال استُهلك حتى آخره. الواقع يضعها أمام مسارين لا ثالث لهما:
إما الانخراط في الأمر الواقع، بحد أدنى من البراغماتية لحفظ ما تبقى من ماء الوجه،
أو العزلة والاصطدام المباشر مع بلدوزر أمريكي لا يعترف بالرومانسية السياسية، ولا يرحم من يختار العناد بدل القراءة العقلانية للتحولات الدولية.

تقنيًا، الملف أُغلق في مدريد. ما تبقى ليس سوى مسرحية الإعلان: صياغات لغوية، بيانات رسمية، وتوقيت مدروس لإخراج النتيجة بأقل كلفة سياسية ممكنة للطرف الخاسر. أما جوهر القرار، فقد حسم وانتهى.

التاريخ لا يكتب بالنوايا الحسنة، ولا بالخطابات الثورية المتأخرة، بل تكتبه الدول القوية حين تمتلك القرار وتُحسن استعماله. والمغرب اليوم لا يوجد في موقع الدفاع فقط؛ بل في موقع الفعل، وصناعة القرار، وفرض المعادلات.

من لا يعجبه هذا الواقع، فليعلم أن الواقع السياسي أقسى من المنشورات الغاضبة، وأقوى من حملات التشكيك، وأبقى من أوهام “التوازن” الذي لم يعد له وجود إلا في الخيال.

المغرب تحرّك… قرّر… وفرض.
والباقي تفاصيل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *