مدارس الريادة والتعليم: مقاربة نقدية في سؤال الجودة والرهانات المؤجلة

مدارس الريادة والتعليم: مقاربة نقدية في سؤال الجودة والرهانات المؤجلة

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

 

يشكل إصلاح التعليم في المغرب أحد أعقد الأوراش العمومية وأكثرها حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمستقبل الشباب وبمسار التنمية الوطنية. وفي هذا السياق، برز مشروع مدارس الريادة باعتباره مبادرة إصلاحية تروم تجويد المدرسة العمومية والرفع من جودة التعلمات.

غير أن المقاربة العلمية الرصينة تفرض قراءة نقدية موضوعية، توازن بين النوايا المعلنة والنتائج المتحققة، وبين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

لقد ربطت تقارير دولية صادرة عن اليونسكو بين جودة التعليم والتنمية المستدامة، كما أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من خلال برامج تقييم مثل PISA أن إصلاح التعليم لا يقاس بالشعارات، بل بنتائج التعلم الفعلية. من هذا المنظور، يصبح مشروع مدارس الريادة موضوع مساءلة علمية: هل أحدث تحولاً نوعياً في جودة التعلمات؟ أم أنه يعيد إنتاج اختلالات سابقة بأدوات جديدة؟

أول ما يثير النقاش هو إشكالية التسرع في تنزيل الإصلاح.

فالتحولات العميقة في المنظومات التربوية تتطلب تدرجاً زمنياً وتراكمات مؤسساتية. غير أن اعتماد مقاربة تجريبية محدودة زمنياً قد يجعل المشروع عرضة للتقييم السريع قبل نضج شروط نجاحه. وهنا يطرح سؤال: هل توفرت البنية التحتية والتأطير البيداغوجي الكافي لضمان الاستمرارية؟

ثانياً، يبرز تحدي الموارد البشرية. فنجاح أي إصلاح تعليمي مرتبط عضوياً بوضعية المدرس المهنية والمادية. وإذا لم يصاحب المشروع تحفيز حقيقي وتحسين لظروف العمل، فقد يتحول إلى عبء إضافي بدل أن يكون رافعة للتجديد. فالمدرس ليس مجرد منفذ لسياسات جاهزة، بل فاعل استراتيجي في صناعة الجودة.

ثالثاً، تطرح مسألة العدالة المجالية نفسها بإلحاح. فهل تم تعميم نموذج مدارس الريادة بشكل منصف بين المجالين الحضري والقروي؟ أم أن التجربة تركزت في مؤسسات تتوفر أصلاً على شروط أفضل؟ إن أي إصلاح لا يراعي الفوارق المجالية قد يعمق اللامساواة بدل تقليصها.

رابعاً، يبقى سؤال التقييم مؤجلاً في كثير من الأحيان.

فالمقاربة النقدية تقتضي نشر معطيات دقيقة حول أثر المشروع على نسب التعلم الحقيقي، لا الاكتفاء بمؤشرات إدارية أو تنظيمية. هل تحسنت فعلاً مهارات القراءة والرياضيات؟ هل انخفض الهدر المدرسي؟ هل تغيرت علاقة المتعلم بالمدرسة؟ هذه أسئلة تحتاج إلى معطيات كمية وكيفية مستقلة.

من زاوية العلوم السياسية، يمكن فهم مدارس الريادة باعتبارها جزءاً من إعادة هيكلة الدولة لأدوارها في قطاع التعليم. غير أن الإصلاح المؤسساتي لا ينجح دون انخراط اجتماعي واسع.

فالمشاريع التي تُصاغ في المركز دون إشراك فعلي للفاعلين المحليين غالباً ما تواجه مقاومة صامتة تعرقل فعاليتها.

كما أن التركيز على الأداء والنتائج قد يؤدي إلى نزعة تقنية تختزل التعليم في أرقام ومؤشرات. والحال أن الجودة في بعدها العميق تتعلق ببناء شخصية متوازنة، قادرة على التفكير النقدي والمشاركة المواطِنة. إن تحويل المدرسة إلى فضاء لإنتاج النتائج السريعة قد يفرغها من بعدها القيمي والتكويني.

وتبرز أيضاً إشكالية الاستدامة المالية. فالإصلاحات الطموحة تحتاج إلى تمويل قار ومخطط بعيد المدى. فإذا ارتبط المشروع بظرفية سياسية أو ميزانية مؤقتة، فإنه قد يفقد زخمه مع تغير الأولويات الحكومية. وهنا يصبح الإصلاح رهين التوازنات الظرفية بدل أن يكون خياراً استراتيجياً ثابتاً.

ولا يمكن إغفال البعد الرمزي. فإطلاق تسميات جديدة مثل “الريادة” قد يمنح الانطباع بالتجديد، لكنه لا يضمن بالضرورة تحولاً جوهرياً في المضامين. الإصلاح الحقيقي لا يقاس بالشعارات، بل بمدى تغيير الممارسات الصفية وطرق التقويم وأنماط الإدارة المدرسية.

من جهة أخرى، ينبغي الحذر من خلق ثنائية ضمنية بين “مدارس رائدة” وأخرى غير رائدة، بما قد يكرس تصنيفاً غير معلن داخل المدرسة العمومية نفسها. ففلسفة الإصلاح ينبغي أن تقوم على تعميم الجودة لا على إنتاج نماذج معزولة.

إن القراءة النقدية لا تعني رفض المشروع في جوهره، بل مساءلته بهدف تطويره. فالإصلاحات التربوية بطبيعتها تراكمية، وتصحيح مسارها جزء من نجاحها. المطلوب إذن هو شفافية في عرض النتائج، وجرأة في الاعتراف بالاختلالات، وانفتاح على التقييم المستقل.

في الختام، تظل مدارس الريادة تجربة تستحق النقاش العمومي الهادئ بعيداً عن التهويل أو التبخيس. إن سؤال الجودة ليس سؤالاً تقنياً فقط، بل هو سؤال سياسي وأخلاقي يتعلق بنوع المواطن الذي نريد تكوينه. وإذا لم يُحسم هذا السؤال بوضوح، فإن أي إصلاح، مهما كان عنوانه جذاباً، سيظل معرضاً لإعادة إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *