العدالة الاجتماعية في عالم متحوّل: من الشعار إلى السياسات المنصفة

العدالة الاجتماعية في عالم متحوّل: من الشعار إلى السياسات المنصفة

بقلم الدكتور عبد الإله طلوع – كاتب رأي

لم يعد الحديث عن العدالة الاجتماعية ترفاً فكرياً أو خطاباً مناسباتياً يُستدعى في لحظات الأزمات، بل أضحى سؤالاً مركزياً يفرض نفسه بإلحاح في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تحولات اقتصادية عميقة، أزمات صحية عابرة للحدود، تغيرات مناخية ضاغطة، وثورات تكنولوجية متسارعة؛ كلها عوامل تعيد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع، وتختبر قدرة السياسات العمومية على حماية الفئات الهشة وضمان تكافؤ الفرص.

في خضم هذا التحول، تتجدد الحاجة إلى سياسات منصفة تؤسس لمجتمعات أكثر صموداً. فالعدالة الاجتماعية ليست مجرد توزيع للموارد، بل هي بناء متكامل يقوم على الإنصاف، وتكافؤ الفرص، والولوج العادل إلى الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والشغل والسكن اللائق. وهي أيضاً ترسيخ لقيم الحرية والمساواة والتضامن، في إطار حكامة رشيدة تضمن الفعالية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لقد أبانت الأزمات المتتالية أن المجتمعات التي استثمرت في أنظمة حماية اجتماعية قوية كانت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وتقليص كلفتها الاجتماعية. فالحماية الاجتماعية ليست عبئاً على المالية العمومية، كما يُروَّج أحياناً، بل هي استثمار استراتيجي في الاستقرار والتنمية. وكلما تعززت الثقة بين المواطن والمؤسسات، كلما تقوى النسيج الاجتماعي وتحصنت الدولة في مواجهة المخاطر.

غير أن تحقيق العدالة الاجتماعية في عالم متحوّل يقتضي تجاوز المقاربات التجزيئية والانتقال إلى رؤية مندمجة للسياسات العمومية. فلا يمكن معالجة البطالة دون إصلاح منظومة التعليم والتكوين، ولا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية مستدامة دون تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ولا يمكن ترسيخ المواطنة الفاعلة دون ضمان الحقوق الأساسية وصون الكرامة الإنسانية.

إن التحدي الأكبر يكمن في كيفية التوفيق بين متطلبات التنافسية الاقتصادية ومقتضيات الإنصاف الاجتماعي. فالعولمة والاقتصاد الرقمي يفرضان ديناميات جديدة لسوق الشغل، قد تُنتج فرصاً واعدة، لكنها قد تعمّق في الآن ذاته هشاشة فئات واسعة إذا لم تُواكب بسياسات إدماج وتأهيل وحماية فعالة. من هنا، تبرز أهمية الدولة الاجتماعية باعتبارها إطاراً يوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة التوزيعية.

العدالة الاجتماعية ليست مشروعاً ظرفياً، بل مساراً تراكمياً يتطلب نفساً إصلاحياً طويل الأمد، وإرادة سياسية واضحة، وحواراً مجتمعياً مسؤولاً. وهي رهينة بقدرة الفاعلين العموميين والخواص، ومؤسسات الوساطة، والمجتمع المدني، على الانخراط في تعاقد اجتماعي جديد يُعيد الاعتبار لقيمة الإنسان كمحور لكل السياسات.

في النهاية، فإن صمود المجتمعات لا يُقاس فقط بمؤشرات النمو، بل بمدى قدرتها على حماية أضعف فئاتها، وضمان كرامة مواطنيها، وتكريس المساواة في الفرص. وفي عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، تظل العدالة الاجتماعية هي القوة الهادئة التي تحمي الأوطان من التصدع، وتمنح التنمية معناها الإنساني العميق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *