يدبر أمري و لا علم لي ، و كفى به وكيلا …
القضاء و القدر ، محاولة فهم لمسالة إشكالية تحديدا لمفهوم القَدَر يتكلم على لسان الخضر عليه السلام في سورة الكهف . كيف نفهم القدر ؟!
لعل أحد أكثر الأسئلة التي تدور في أذهانا خاصة هو ما يعرف فلسفيا باسم سؤال الشر .. و هو لماذا خلق الله الشر و الفقر و المعاناة و الحروب و الأمراض !! لماذا فايروس كورونا في الوقت الحاضر مثلا ؟ لماذا يموت الأطفال جوعا في افريقيا ؟
أليس الله هو الرحمن الرحيم ؟ فكيف يمتلئ الكون بكل هذه المآسي ؟
طبعا سيكون من الرائع لو تمكننا من فهم تلك المتناقضات التي ترهق أرواحنا !! إلا أن هذا فعليا قد حدث قبل ثلاثة و ثلاثين قرنا من الان .. تأملوا معي :
كان نبي الله موسى لديه كما لدينا الكثير من الأسئلة الفلسفية و ليس أقلها رؤية الله ( رب أرني أنظر إليك .. ) . لكن الأهم على ما يبدو و موضوعنا اليوم هو عندما سأل موسى ربه عن القدر ، و كيف يعمل ، و هي بالذات عين أسئلتنا اليوم .. فطلب منه الله عز وجل أن يلاقي الخضر عليه السلام .. و الحقيقة التي يجب أن تذكر هنا .. أن الأدبيات الدينيه تسطح مفهوم الخضر وتختزله في صفة ولي من أولياء الله في حين أن الحقيقة أن الخضر عليه السلام يمثل القدر نفسه .. يمثل يد الله التي تغير أقدار الناس كما تريد مشيئة الله . و الجميل أن هذا القدر يتكلم على لسان الخضر . لذلك نحن الآن سنقرأ حوارا بين نبي الله موسى ( بشَر ) مثلنا تماما لديه نفس أسئلتنا ، و بين قدر الله المتكلم . و لنقرأ هذا الحوار من زاوية جديدة ..
أول جزء في الحوار كان وصف هذا القدر المتكلم .. { آتيناه رحمة من عندنا و علمناه من لدنا علما } .. أي أنه قدر رحيم و عليم . ثم يقول سيدنا موسى عليه السلام ؛ { هل أَتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَنِي مما عُلِّمْتَ رُشْدَا } و يرد القدر ..{ إنَّكَ لن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَا و كيف تَصْبرُ على ما لم تُحِطْ به خُبْرَا } / جواب جوهري جدا ..
فهم أقدار الله فوق إمكانيات عقلك البشري ، و لن تصبر على التناقضات التي تراها .. فيرد موسى عليه السلام بكل فضول البشر ..
{ ستجدني إِنْ شَاءَ اللهُ صَاِبراً و لا أَعْصِي لَكَ أمرا } ويرد القدر ..
{ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } .. و
يمضي الرجلان معا و يركبا في قارب لمساكين يعملون في البحر .. و يقوم الخضر بخرق القارب .. و واضح تماما أن أصحاب المركب عانوا كثيرا من فعلة الخضر .. و موسى يتساءل بقوة عن هذا الشر كما نتساءل نحن .. قائلا :
{ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا .. لقد جِئْتَ شَيْئَا إمرا } ..
عتاب للقدر تماما كما نفعل .. أخلقتني بلا ذرية كي تشمت بي الناس؟ أفصلتني من عملي كي أصبح فقيرا ؟ نفس الأسئلة و غيرها .. يسكت الخضر و يمضي .. و طبعا الشاهد الأساسي هنا أن أصحاب السفينة عانوا أشد المعاناة من فعلا الخضر و كادوا أن يغرقوا و يهلكوا ، و تعطلت مصلحتهم و تأخر باب رزقهم .. لكن ما لبثوا أن عرفوا بعد ذهاب الخضر و مجىء الملك الظالم أن خرق القارب كان شرا مفيدا لهم !!
لأن الملك لم يأخذ القارب غصبا ..
نواصل .. موسى لا زال في حيرته لكنه يسير مع الرجل ( القدر ) الذي يؤكد لموسى ..
{ ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا؟ } ، ألم أقل لك يا إنسان أنك أقل من أن تفهم الأقدار ..
يمضي الرجلان .. و يقوم الخضر الذي وصفناه بالرحمة و العلم بقتل الغلام ، ويمضي في طريقه ؛ فيغضب موسى عليه السلام و يعاتب بلهجة أشد !!
{ أقَتَلْتَ نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نُكرا }
لقد تحول عتاب موسى من إمراً إلى نكراً !! و الكلام صادر عن نبي أوحي إليه .. لكنه بشر مثلنا يغضب و ينفعل ؛ فيعيش نفس حيرتنا .. يؤكد له الخضر مرة أخرى :
{ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } ..
و نحن جميعا قرأنا القرآن لكننا ننظر إلى الصورة من فوق .. فنحن نعرف أن الخضر فعل ذلك لأن هذا الغلام كان سيكون سيئا مع أمه و أبيه :
{ و كان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } ..
و السؤال ..
هل عرفت أم الفتى بذلك ؟
هل أخبرها الخضر ؟
الجواب لا .. بالتأكيد قلبها انفطر و أمضت الليالي الطويلة حزنا على هذا الفتى الذي ربته سنينا في حجرها ليأتي رجل غريب يقتله و يمضي .. و بالتأكيد .. هي لم تستطع أبدا أن تعرف أن الطفل الثاني كان تعويضا عن الأول .. و أن الأول كان سيكون سيئا .. فهنا نحن أمام شر مستطير حدث للأم .. و لم تستطع تفسيره أبدا ..
ثم يصل موسى و الخضر إلى القرية .. فيبني الجدار ليحمي كنز اليتامى .. هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم ؟ لا .. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه ؟ طبعا لا .. هل شاهدوا لطف الله الخفي .. الجواب قطعا لا .. هل فهم موسى السر من بناء الجدار ؟ لا ..
ثم مضى الخضر .. القدر المتكلم .. بعد أن شرح لموسى و لنا جميعا كيف يعمل القدر و الذي يمكن تلخيصه ببساطة كالآتي :
الشر شيء نسبي .. و مفهوم الشر عندنا كبشر مفهوم قاصر لأننا لا نرى الصورة كاملة ، فما بدا شرا لأصحاب المركب اتضح أنه خير لهم .. و هذا أول نوع من القدر ..
شر تراه فتحسبه شرا .. فيكشف الله لك أنه كان خيرا .. و هذا نراه كثيرا ..
النوع الثاني مثل قتل الغلام .. شر تراه فتحسبه شرا .. لكنه في الحقيقة خيرا .. و لا يكشف الله لك ذلك فتعيش عمرك و أنت تعتقد أنه شر .. مثل قتل الغلام .. لم تعرف أمه أبدا لم قتل ..
النوع الثالث و هو الأهم .. هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري .. لطف الله الخفي .. الخير الذي يسوقه إليك .. مثل بناء الجدار لأيتام الرجل الصالح ..
فالخلاصة إذن .. أننا يجب أن نقتنع بكلمة الخضر الأولى :
{ إنك لن تستطيع معي صبرا } ..
لن تستطيع يا ابن آدم أن تفهم أقدار الله .. الصورة أكبر من عقلك .. قد تعيش و تموت و أنت تعتقد أنك تعرضت لظلم في جزئية معينة .. لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما .. الله قد حماك منها .. مثال بسيط .. أنت ذو بنية ضعيفة .. و تقول أن الله حرمني من الجسد القوي .. أليس من الممكن أن شخصيتك متسلطة .. و لو كنت منحت القوة لكنت افتريت على الناس ؟ حرمك الله المال .. أليس من الممكن أن تكون من الذين يفتنون بالمال و كان نهايتك ستكون وخيمة ؟ حرمك الله الجمال .. إلى غيرها
فاللهم لا نسألك رد القضاء و لكن نسألك اللطف فه ..
اللهم الطف بما جرت به المقادر ..
أنت ولينا في الدنيا والآخرة و إليك ننيب ..

