وصال الروح ، و ” بينهما برزخ لا يبغيان “

وصال الروح ، و ” بينهما برزخ لا يبغيان “
د. سعيد أولعنزي تاشفين.

لأني رجل ملطخ بالوحل و متسخ بأفكاري المتنورة جدا يعجبني الاختلاف ، و يغرني الهابطون من علو خيباتهم على كفوف طموحهم فوضويين لا يبالون بالزيف و لا ينكصون مهما حل الخراب . يعجبني الساهرون حتى أول الفجر بعيون قلبهم و بجوف الليل يخاطبون السماء سائلين حسن السبيل ؛ لهم ليلهم الوحيد مثلهم و للآخرين ليل الآخرين تلصصا . تؤرقني ندبة على جبين نوميديا و يدلّني ثغر الميزوبوتاميا التي نزفت و حل التمزق بتلك الديار الباكيات على أول الطريق إلى الموت بمقصة هولاكو ، و الولادة ندبة عُمر أفرزته سِدرة المنتهى و ” ن و القلم و ما يسطرون ” . و أنا مجرد ما بقي مني تفرزني بغثة عنيدة تناقضات الأنطولوجيا مذ كان الحلم إنسانيا على حضوة الرجاء . و يعجبني صوت الكمانجات العميقات إذا امتزج حسنهن بحزنهم فأنتهي صنما بين نهود صامدةٍ كحزني و مثل علوّ الأسوار الآيلة للنوم في الكتابة شذرات ممزقة إلى مشاعر جريحة ، و صهيلا ذاك الذي يعلو أناقة الليل فيطال أعماقي مناديا هاتفا في السحر و يطالني حلم إذا ما سكت ازدان فراشي بلهفتين ، حنين و شوق .

يعجبني جنوح الثائرات على النمطيات بجغرافية الرتابة إلى العشق العميق ، و الرجال هنا لا يعشقون ، يخونون فقط أو يستعبِدون أو يتملّصون ، و كمنجاتنا مجردةُُ من النبض و يمنحن أوتار شغفهن فرصة الرقص على أشلائهن هنا بمحاذاة وحدتي لأني رجل موشوم باللهفة في زمن الثخمة من جوع الجياع على الجانب الأيسر من أجساد تُثقلها تقاليد القبيلة الجوفاء . و بكل هذا الظمإ و الإنزواء يعجبني التعقيد جدا محاولا فك ألغاز الأنيقات العميقات على شرف أقداح من أتاي يحمل لونهن القمحي على حرير المعاني لتولد حواسٌ للمدى تشدّني من قلبي فأدخل في عِداد المتورطين بالحياة بلا عشق سوى من شذرة تؤنسني و أمتطيها لأقبّل حسنا يرتسم مصقولا بأصابع تشرين و برودة هنا تتحرش بالقلب و جنون نبض على رُشد ناردين على همس تَوقٍ للنسيم مخلوطٍ بنكهة الشّفاه عبيرا من مِسك الصحراء ، و أنشد للجفاء ألف موشّح تحت ظلال النخيل على غنج تمر ناضج كالأنيقات في خصر العمر ، و العشق سيداتي تضاريس شتائية تنتفض على جزل القسمات . و لأني رجل جهول جدا بتفاصيل العشق أجدني رِعديدا أهرب من حلم يوقض مواجع الوسادة و يعجبني هدوء الليل جدا ففيه أرمم هويتي و أتحرر من تجاعيد الروح و أتذكرها وحدها و نشأة النرد تحت نهد حزنها وحيدة رغم صخب يحاصرها و يقتلها فتولد من جديد بين قوافي شذرتي تبكي ضاحكة و تضحك باكية كحروفي من عمرها النسرين على سيقان أنوثتها العميقة الجليلة المُخيفة المخرِّبة نضوج الشوق في دمعها الأثيري كأبجدية الأمسيات الحبيبات العابرات مسام الوصال في عِداد حُلمها الفقيد . و كلها كباقي الكمنجات نسائم تفلّ قامة الجراح هنا لتلتهمني محارق العطش إلى عيونها الفيّاضة دمعا و أملا ، و أصير عاشقا لحزنها الغجري و لا أجهل شذراتي و لا أنام حتى أبعث ألف حرف وصالا من الروح إلى الروح ، و ” بينهما برزخ لا يبغيان ” ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *