نحو أفق دستوري جديد: الحكم الذاتي واستحقاق إعادة التأسيس

نحو أفق دستوري جديد: الحكم الذاتي واستحقاق إعادة التأسيس

بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع

لم يعد النقاش حول الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة نقاشاً مؤجلاً أو افتراضياً، بل بات أقرب إلى كونه أفقاً سياسياً ودستورياً تتهيأ له الدولة المغربية بخطى محسوبة. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ الحكم الذاتي في حد ذاته، بقدر ما يكمن في الإطار الدستوري الذي يُفترض أن يحتضنه ويؤمّن تنزيله دون تناقضات أو ارتباك مؤسساتي.
فالدولة حين تدخل مرحلة جديدة من تطور بنيتها الترابية والسياسية، لا يمكنها أن تكتفي بتأويل موسّع لنصوص وُضعت في سياق مختلف، ولا أن تُحمّل الدستور أكثر مما يحتمل. لأن الدستور، في جوهره، ليس مجرد إعلان نوايا، بل هو عقد سياسي يحدد بدقة طبيعة السلطة، وحدودها، وأشكال ممارستها.
الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة ليس مجرد صيغة تقنية لتدبير الشأن المحلي، ولا شكلاً متقدماً من اللامركزية الإدارية، بل هو تصور سياسي يعيد ترتيب العلاقة بين المركز والمجال، ويؤسس لنموذج جديد في تدبير السيادة داخل الوحدة. وهذا التحول، بحجمه ورمزيته، لا يمكن أن يُدار بمنطق القوانين التنظيمية وحدها، مهما بلغت دقتها.
إن دستور 2011، على أهميته التاريخية، صيغ في لحظة كان فيها سقف الإصلاح هو الجهوية المتقدمة، وليس بناء كيانات ذات اختصاصات موسعة ذات طابع سياسي. ومن هنا تنشأ المفارقة: كيف نُنزّل مشروعاً بحمولة دستورية واضحة داخل نص لم يُفصّل لهذا المستوى من التفويض؟
التعديل الدستوري، في هذا السياق، لا يجب أن يُقرأ بوصفه اعترافاً بنقص أو تراجع، بل باعتباره تعبيراً عن نضج الدولة وقدرتها على مواكبة تحولات مشروعها الوطني. فالدول القوية هي التي تُراجع دساتيرها عندما تتغير وظائفها وأدوارها، لا تلك التي تُقدّس النصوص وتُفرغها من مضمونها بالممارسة.
ثم إن تحصين الحكم الذاتي دستورياً هو الضمانة الأساسية لنجاحه، داخلياً وخارجياً. داخلياً، لأنه يقطع مع منطق الغموض ويؤسس لوضوح في توزيع الاختصاصات والمسؤوليات. وخارجياً، لأنه يبعث برسالة قوية مفادها أن المغرب لا يدير هذا الملف بمنطق الحلول المؤقتة، بل بمنطق التأسيس القانوني المستدام.
كما أن غياب التعديل الدستوري قد يفتح الباب أمام تأويلات متناقضة، ويخلق مناطق رمادية في العلاقة بين مؤسسات الدولة المركزية وهيئات الحكم الذاتي، بما قد يؤدي إلى توترات سياسية وقانونية مؤجلة. وهو ما يتعارض مع فلسفة الاستقرار التي حكمت دائماً تدبير الدولة المغربية لقضاياها الاستراتيجية.
إن الانتقال إلى أفق الحكم الذاتي يفرض أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة التشريعية المحلية، وحدود الاستقلال التنفيذي، وآليات الرقابة، وموقع القضاء، وشروط التمثيلية الديمقراطية. وهذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمنطق التدبير اليومي، بل تحتاج إلى سند دستوري صريح يرفع الالتباس ويمنع أي انزلاق محتمل.
لسنا، إذن، أمام خيار سياسي بسيط، بل أمام لحظة إعادة تأسيس هادئة، تتطلب شجاعة في القرار ووضوحاً في الرؤية. فإما أن نُواكب التحول الدبلوماسي والسياسي بتحول دستوري محسوب، أو نغامر بخلق فجوة بين النص والواقع.
في النهاية، الحاجة إلى تعديل دستوري اليوم لا تنبع من ضغط خارجي، ولا من إكراه ظرفي، بل من منطق الدولة وهي تنتقل من مرحلة الدفاع عن مشروع الحكم الذاتي إلى مرحلة تجسيده كاختيار استراتيجي نهائي. وبين الدفاع والتجسيد، لا بد من دستور يواكب، لا أن يتأخر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *