موت اليسار
لن نغوص بعيدا في تاريخ اليسار سوى تذكر ادّعائه الدفاع عن مصالح المحرومين ، في محاولة بسيطة لمقارنة بين الخطاب و الممارسة ، و هل فعلا يمكن تصنيف التجارب اليسارية حول العالم كونها تجارب ناجحة ؟؟؟
بعد سقوط جدار برلين و تفكك الإتحاد السوفياتي الذي انتهت معه الحرب الباردة ، باتت قوى اليسار في العالم أكثر ضعفا و تراجعا ، و رغم كل المحاولات من أجل بعث الفكر اليساري مرة أخرى , يبدو أن العالم قد قرر القطع مع رغم سمو أفكارها إلا أنها كانت تجارب فاشلة في التاريخ في نظر الكثيرين ، حيث لم تخلف لنا سوى المآسي و الدماء و الديكتاتورية ، و حري بالذكر ، أن التجارب اليسارية في العالم لم تعطينا سوى ديكتاتوريات عسكرية متوحشة ، ذبحت في شعوبها و أرهبتهم و عذبت و سجنت و جوعت كل من كان يعارضها ، و أعتقد أن التاريخ لن ينسى مجازر ستالين التي حصدت أكثر من 60 مليون قتيل، و لا مذبحتي تيانانمن و غوانغشي المروعتين للقائد الصيني ماوا تسي تونغ ، حيث تم أكل لحم المعارضين من طرف الحرس الأحمر و قتل أكثر من 130 مليون صيني في واحدة من أكبر الجرائم ضد الإنسانية على الإطلاق ، هذه الأحداث الدامية التي سميت بعد ذلك بالثورة الثقافية الصينية!!!
أما في رقعتنا العربية فقد امتد الفكر اليساري في كل أرجائها ، فظهرت أمثلة كثيرة لتجارب قامت باسم اليسار ، لكنها في حقيقتها مجرد انقلابات عسكرية لثلة من العسكر الجهلة الذين أفسدوا في الأرض فسادا عظيما ، في مصر مثلا صعد الضباط الأحرار في مصر بقيادة عبد الناصر الذي اعتقل و عذب و قتل الآلاف من شعبه ، طلبة و أساتذة ، مفكرون و أدباء و صحفيين ، حتى القضاة لم يسلموا من ظلمه بعد أن اتهمهم بمعارضة نظام حكمه ، و قد لا يتسع المجال لسرد كل جرائم هذا النظام الوحشي الذي أدخل بلاده في سراديب العبث و الفساد بسبب القرارات السياسية المتهورة ، كانت اابدايةعام 1956 إبان العدوان الثلاثي قبل أن ينتهي الأمر بحرب النكسة التي خسر فيها عبد الناصر الحرب مع اسرائيل ، هذه الخسارة المهينة التي ستبقى وصمة عار على جبين كل المصريين.
كما قامت تجارب عربية أخرى باسم اليسار أبرزها حزب البعث في سوريا و العراق ، اللذان خلفا بدورهما جرائم لا تحصى ، كمجزرة حماة التي دامت 27 يوما بقيادة حافظ الأسد ، و التي حسب تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان قد تجاوزت حصيلة الضحايا ال40,000 قتيل ، نفس المشهد رأيناه في العراق التي شهدت مجازر وحشية كمجزرة الدجيل و حملة الأنفال التي كانتا عبارة عن إبادات جماعية لقرى بأكملها خلفت وراءها دمارا شاملا و أكثر من 100000 قتيل نصفهم نساء و شباب دون سن 19.
كثيرة هي المآسي التي يحملها تاريخ اليسار في العالم ،
و أعتقد أنه من خلال هذه المقاربة الكرونولوجية البسيطة ، يتضح أن تجربة اليسار في معظمها كانت تجارب كارثية للغاية، و عكس كل تلك الشعارات الرنانة المدافعة عن الإنسان و الحرية ، كان القمع و الديكتاتورية هي اللغة الوحيدة لتلك الأنظمة اليساري الغاشمة ، ما ساهم في نهاية هذه التجارب و دخول العالم في ظل النظام العالمي الجديد و انتصار الفكر الديمقراطي الليبرالي الذي يمثله الغرب ، لتبقى التيارات اليسارية اليوم أشبه بظواهر صوتية تجر وراءها إرثا تاريخيا ثقيلا لا أعتقد أن العالم سوف يستطيع نسيانه بسهولة.

