ملاعب القرب بالمغرب: إشكالية التسيير والتدبير في ظل تداخل الاختصاصات وتعدد الرؤى
مقدمة:
شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين دينامية متسارعة في تشييد ملاعب القرب، في إطار مقاربة تروم تعزيز ممارسة الرياضة كحق دستوري وتكريس مبدأ العدالة المجالية. غير أن هذا المجهود، على أهميته، لا يزال يواجه عدة إشكالات بنيوية تتعلق بالتسيير والتدبير، أبرزها تداخل الاختصاصات بين عدة متدخلين، وغياب رؤية موحدة تؤطر تدبير هذه الفضاءات، مما يؤدي إلى تشتت الجهود، وتباين الأهداف، وظهور اختلالات تعيق الاستفادة المثلى منها.
1.تداخل الاختصاصات وتعدد المتدخلين:
تخضع ملاعب القرب في المغرب لتدبير جهات متعددة، مما يكرس واقعاً معقداً تتحكم فيه مرجعيات قانونية وتنظيمية مختلفة، من أبرزها:
-وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة (بعد ضم قطاع الرياضة): تدبر العديد من الملاعب، خصوصاً تلك المسلمة لها من ابقطاع السابق و الملاعب المتواجدة في المؤسسات التعليمية و تحاول حاليا ادماج ملاعب الفرب في المؤسيات التعليمية او ربطها بها ، ما أحدث نوعاً من الارتباك المؤسساتي في تدبير المرحلة الانتقالية بين الوزارتين.
-الجماعات الترابية: تشارك في تمويل أو تشييد بعض الملاعب في إطار برامج تنموية أو بشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، غير أن ضعف الموارد البشرية والتقنية يؤثر على نجاعة هذه المبادرات.
-قطاع الشباب: يسير بعض الملاعب بمنطق اجتماعي–تربوي يغلب عليه الطابع الترفيهي، مع محدودية في الرؤية التكوينية.
-الخواص والمتعهدون: يدبرون بعض الملاعب في إطار التدبير المفوض أو بعقود خاصة، ما يُدخل منطق الربح التجاري في فضاء يفترض أن يكون ذا منفعة عامة.
-الجمعيات الرياضية: تنشط في التنظيم والتكوين، لكن ضعف التأطير وقلة الموارد يقللان من أثرها.
2.تباين الأهداف واختلاف الرؤى:
تعدد الفاعلين أدى إلى تباين في الأهداف:
-الرياضية: اكتشاف المواهب وصقلها.
-الاجتماعية: محاربة الانحراف والتهميش.
-السياسية: توظيف الملاعب كورقة انتخابية.
-الاقتصادية: تحويلها إلى مشاريع ربحية تفرض رسوماً باهظة.
3.أبرز الإشكالات والتحديات:
-غياب التقائية في أساليب التسيير.
-مشاكل الصيانة والتجهيزات وضعف جودة البنيات.
-غياب التأطير والتكوين.
-الاستغلال المجحف والتمييز بين الحضر والقرى.
4.أنماط وأشكال التدبير بملاعب القرب:
تختلف أنماط التدبير حسب الجهة المسؤولة، ومن أبرزها:
1.الجماعات الترابية:
-التدبير المفوض وفق القانون 54.05، عبر التعاقد مع شركات خاصة.
-التعاقد مع جمعيات للتنشيط المحلي الرياضي.
-التسيير المباشر عن طريق الموظفين أو الأعوان.
-تحصيل الجبايات من المستفيدين، مما يثير نقاش العدالة المجالية.
2.وزارة الشباب:
‘التسيير المباشر عبر الموظفين أو الأعوان أو الأطر المساعدة.
-بصيغة “رهن الإشارة” حيث تُعهد بعض الملاعب إلى جمعيات أو هيئات لتدبيرها.
-بصيغة “الجمعية القطاعية” التي تتولى التنظيم والتنشيط.
-التحويل إلى الجماعات الترابية بموجب اتفاقيات أو قرارات رسمية.
3.قطاع الرياضة (التابع للتربية الوطنية):
-التدبير عبر الموظفين أو الأعوان.
-أعوان الحراسة أو أطر الجماعات المحلية.
-تسليم الملاعب للجماعات لتسييرها محلياً.
4.الخواص:
بيع المنتوج الرياضي أو تأجير الملاعب بشكل تجاري.
5.المتعهدون:
بعضهم يستغل الملاعب لمصالحه الخاصة، بعيداً عن الغايات الاجتماعية والرياضية.
5.إشكالية المجانية والاستغلال المؤدى عنه:
-المجانية: ملاعب القرب صُممت لتكون فضاءات مجانية أو شبه مجانية، لكن الواقع يبين أن جزءاً منها أصبح مغلقاً أو مؤدى عنه.
-الاستغلال المؤدى عنه: ارتفاع الرسوم في بعض الحالات يحول هذه الفضاءات إلى مشاريع تجارية، مما يقصي الفئات الهشة والشباب العاطل.
*المشاكل المترتبة:
-إقصاء اجتماعي لفئات واسعة.
-ضعف العدالة المجالية بين المدن والقرى.
-فقدان الملاعب لدورها التربوي والرياضي.
-غياب الشفافية في طرق الاستغلال والتحصيل.
6.توصيات:
-وضع إطار قانوني وطني موحد يحدد أنماط التدبير.
-تعزيز التنسيق بين القطاعات (التربية الوطنية، الشباب، الجماعات).
-اعتماد حكامة ترابية تضمن العدالة المجالية.
-تمويل مستدام للصيانة والتأطير.
-إدماج الرياضة المدرسية في رؤية شاملة.
7.خاتمة:
تظل ملاعب القرب دعامة أساسية لبناء مجتمع متوازن، لكن دون إصلاح منظومة التدبير وتوحيد الرؤية، ستظل هذه الفضاءات أسيرة التشتت والارتجال، ما يفقدها قيمتها كرافعة للتنمية البشرية والرياضية.
المراجع:
1. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة – تقارير قطاع الرياضة.
2. وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب.
3. وزارة الداخلية – مديرية الجماعات الترابية.
4. المندوبية السامية للتخطيط – تقارير الفوارق المجالية.
5. المبادرة الوطنية للتنمية البشرية – وثائق البرامج المرحلية.

