مظاهر تراجع السياسات العمومية الموجَّهة للشباب في المغرب
يُعتبر الشباب (الفئة ما بين 15 و29 سنة) ثلث ساكنة المغرب تقريباً.
ورغم هذا الوزن الديمغرافي، فإن موقعهم داخل السياسات العمومية لا يعكس حجمهم أو حاجياتهم. فقد أطلقت الحكومات المغربية منذ بداية الألفية برامج واستراتيجيات (مثل الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب 2015–2030، وبرامج “إدماج” و“مقاولتي”، إضافة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في شقها المتعلق بالشباب)، لكن أغلب هذه المبادرات إما توقفت أو لم تحقق أهدافها.
في السنوات الأخيرة، تفاقمت مظاهر التراجع بشكل بيّن، وهو ما يطرح سؤال المساءلة حول جدوى السياسات الموجهة لهذه الفئة.
#مظاهر التراجع في السياق المغربي:
*ارتفاع البطالة وضعف فرص الشغل اللائق:
-تقرير المندوبية السامية للتخطيط (2024) أشار إلى أن نسبة البطالة بين الشباب الحضريين تجاوزت 36%، وهي نسبة تُعتبر من بين الأعلى في شمال إفريقيا.
-برامج مثل “إدماج” و فرصة و اوراش و غيرهم لم تُؤدِّ إلى إحداث مناصب شغل دائمة، بل اقتصرت على عقود مؤقتة تنتهي غالباً دون إدماج فعلي.
*هشاشة التشغيل في القرى:
-الجفاف المتكرر وخصوصاً في 2023–2024 أدى إلى -فقدان آلاف الشباب العاملين في الفلاحة والشغل الموسمي، دون أن تُقدّم الدولة برامج بديلة للتكوين أو التشغيل في قطاعات أخرى.
-أغلب السياسات ركّزت على المدن الكبرى (الدار البيضاء، الرباط، طنجة ،مراكش ،فاس)، بينما تُركت القرى والمناطق الجبلية في حالة فراغ.
*فشل البرامج الريادية:
برنامج “مقاولتي” (2006) فشل بشكل كبير، حيث تم إغلاق العديد من المشاريع بعد أشهر قليلة بسبب غياب المواكبة والتمويل المستدام، و قس عليها برامج أخرى لم يكن لها أثر مستدام و واقعي وعلى ادماج الشباب في الحركة الاجتماعية ككل.
*المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مرحلتها الثالثة (2019–2023) خصصت حيزاً للشباب، لكنها ركزت على التمويل الجزئي للمشاريع الصغيرة دون معالجة بنية السوق أو تسهيل الولوج إلى الطلبيات العمومية.
*ضعف المشاركة السياسية:
نسبة ولوج الشباب للبرلمان والجماعات المحلية لا تتجاوز بضعة مقاعد رمزية.
رغم وجود مجالس شبابية استشارية في بعض المدن، إلا أنها تظل شكلية، ولا تملك سلطة تقريرية أو تأثير فعلي في السياسات.
*غياب مؤسسات قوية للشباب:
بعد تفكيك وزارة الشباب والرياضة وإلحاق قطاعات أخرى بها او العكس (وزارة الثقافة والشباب والتواصل حالياً)، تراجع التركيز المؤسساتي على ملف الشباب، وأصبح مشتركاً بين قطاعات متعددة ما أدى إلى تشتت المسؤولية وغياب رؤية واضحة.
#أسباب التراجع الخاصة بالمغرب
-تسييس الملف الشبابي:
يُستعمل موضوع الشباب في الحملات الانتخابية أكثر من كونه سياسة عمومية دائمة.
-ضعف التنسيق بين القطاعات: التربية، التكوين، التشغيل، والثقافة تعمل كل واحدة بمعزل عن الأخرى.
-محدودية الميزانيات:
الجزء المخصص للشباب في قوانين المالية ضعيف جداً مقارنة بالحاجيات، وغالباً ما يُوجَّه للأنشطة الرمزية (مهرجانات، حملات تواصلية، تخييم ، لقاءات شبابية معزولة الزمان و المكان) بدل الاستثمار في التكوين المهني والمقاولة.
-فجوة التكوين:
التعليم الجامعي ينتج آلاف الخريجين في الشعب الأدبية والحقوق، بينما سوق الشغل يحتاج مهندسين، تقنيين، ومهارات رقمية.
#نتائج هذا التراجع في المغرب:
-ارتفاع الهجرة السرية (الحريك):
خصوصاً بين الشباب العاطل في الشمال والجنوب الشرقي.
-تنامي الإحباط والعزوف السياسي:
نسبة المشاركة الشبابية في الانتخابات الأخيرة بقيت ضعيفة.
_هدر الموارد البشرية:
المغرب يستثمر في التعليم العمومي لسنوات، ثم يخسر هذه الطاقات إما عبر البطالة الطويلة أو عبر الهجرة.
-تعميق الفوارق المجالية:
شباب القرى والجبال أكثر عرضة للتهميش لغياب بنيات تحتية وفرص اقتصادية.
#من يتحمل المسؤولية؟
-الوزارة الوصية قطاع الشباب: غياب برامج فعلية خاصة بالشباب تتجاوز التظاهرات الثقافية.
-الحكومة ككل:
عدم تخصيص تمويل كافٍ، والاكتفاء بإعلانات سياسية دون تنفيذ ملموس.
-الأحزاب السياسية:
فشلها في تجديد نخبها وفتح المجال أمام الشباب داخل التنظيمات والهياكل.
-المجالس الجهوية والمحلية:
لم تُفعّل بما يكفي آلية المجالس الاستشارية للشباب المنصوص عليها دستورياً (الفصل 33).
-القطاع الخاص:
تقاعس عن إدماج الشباب في التدريب والتشغيل، والاكتفاء بالمطالبة بيد عاملة مؤهلة دون الاستثمار في تكوينها.
#توصيات في السياق الوطني:
-إعادة إطلاق استراتيجية وطنية للشباب بآفاق 2035 مع خطة تنفيذية سنوية ومؤشرات واضحة: بطالة، إدماج، مشاركة سياسية.
-إحداث صندوق وطني للشباب بتمويل من الدولة والقطاع الخاص لتمويل المقاولات الناشئة والتكوين.
-تعميم المجالس الاستشارية للشباب على مستوى الجماعات وضمان استقلاليتها.
-تطوير برامج تكوين مهني جهوية مرتبطة بحاجيات كل منطقة :الفلاحة، السياحة، الصناعة، الطاقات المتجددة.
-تمكين الشباب من الوصول إلى الطلبيات العمومية عبر تفضيل مقاولاتهم الصغيرة في الصفقات العمومية.
خلاصة المغرب لا يفتقد إلى المبادرات، لكنه يفتقد إلى الاستمرارية والفعالية والتقييم. الشباب المغربي اليوم بين خيارين:
إما الاستسلام للبطالة والهشاشة، أو البحث عن أفق خارج الحدود. السؤال الحقيقي هو:
هل ستواصل الدولة التعامل مع الشباب بمنطق الحملات المؤقتة، أم ستعتمد سياسة وطنية دائمة تُعيد الثقة وتُحوّل طاقاتهم إلى رافعة للتنمية؟
#المراجع:
*المندوبية السامية للتخطيط: إحصاءات سوق الشغل (2023–2024).
*وزارة الثقافة والشباب والتواصل: وثائق الميزانية والتقارير السنوية.
*تقارير البنك الدولي حول سوق الشغل في المغرب (2022–2023).
*تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول الشباب (2018، 2021).
*تقارير صحفية: Reuters (2024) حول ارتفاع البطالة بسبب الجفاف.
*دستور 2011 (الفصل 33 حول مشاركة الشباب).

