مسطرة الاستماع إلى الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية بين المقتضى القانوني والالتزام الدولي
يشكل الاستماع إلى الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية من طرف ضباط الشرطة القضائية إجراءً أساسياً في البحث التمهيدي، وهو إجراء منظم بمقتضى قانون المسطرة الجنائية المغربي، مع إحالات واضحة على الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الطفل.
فقد نص المشرع المغربي في المواد من 471 إلى 475 من قانون المسطرة الجنائية على أحكام خاصة بالأحداث، سواء كانوا جانحين أو ضحايا. وبموجب المادة 471، يحق لقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث أن يستعين بمساعد اجتماعي أو بخبير نفساني أثناء الاستماع إلى الطفل، وذلك لتمكينه من الإدلاء بأقواله في ظروف ملائمة تراعي وضعيته النفسية. أما المادة 472، فقد ألزمت بحضور الولي أو من ينوب عنه قانوناً أثناء عملية الاستماع، غير أنها استثنت الحالات التي قد يتعارض فيها حضور هذا الأخير مع المصلحة الفضلى للطفل، أو إذا كان مشتبهاً فيه في القضية.
إضافة إلى ذلك، منحت المادة 473 النيابة العامة إمكانية الأمر بتسجيل أقوال الطفل بالصوت والصورة، وهو إجراء حمائي يهدف إلى تقليص تكرار الاستماع وتفادي تعريض الطفل لضغط نفسي إضافي. أما المادة 474، فقد أكدت على مبدأ السرية، إذ منعت الكشف عن هوية الطفل أو نشر أي معطيات من شأنها تعريف الرأي العام به، ضماناً لحمايته من الوصم الاجتماعي. وتكمل المادة 475 هذه المنظومة بالتنصيص على إلزامية إشعار النيابة العامة فوراً عند تسجيل أي محضر أو شكاية تتعلق باعتداء جنسي على طفل، مما يجعل هذا النوع من القضايا خاضعاً بشكل مباشر لإشراف ومراقبة السلطة القضائية.
هذه المقتضيات الوطنية تتناغم مع المرجعية الدولية التي التزم بها المغرب، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل (1989)، والتي نصت في مادتها الثالثة على أن المصلحة الفضلى للطفل تعتبر الاعتبار الأول في جميع الإجراءات القضائية والإدارية. كما أن البروتوكول الاختياري بشأن بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية ألزم الدول الأطراف باتخاذ تدابير مناسبة لضمان حماية الأطفال الضحايا أثناء جميع مراحل المسطرة القضائية. ويضاف إلى ذلك المبادئ التوجيهية الصادرة عن الأمم المتحدة سنة 2005 بشأن “العدالة في المسائل المتعلقة بالأطفال ضحايا الجريمة والشهود عليها”، والتي حددت معايير دقيقة لكيفية إجراء المقابلات والتحقيقات بما يتلاءم مع سن الأطفال ودرجة نضجهم.
من الناحية العملية، يتميز الاستماع إلى الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية بخاصيات قانونية أهمها: أولاً، خضوع المسطرة لإشراف النيابة العامة بشكل إلزامي، مما يضمن مراقبة شرعية الإجراءات منذ بدايتها. ثانياً، إلزامية مراعاة مصلحة الطفل عند تقرير حضور وليه أو من ينوب عنه، حيث لا يُسمح بالمساس بحقوق الطفل تحت ذريعة الشكلية. ثالثاً، إمكانية التسجيل السمعي البصري التي تعد آلية حديثة لحماية الضحايا، وهي وسيلة لإثبات موضوعي للأقوال، ووسيلة لتفادي الطعن في محاضر الضابطة القضائية. رابعاً، حماية الهوية والمعطيات الشخصية للطفل، وهو التزام ذو طبيعة قانونية وأخلاقية في الآن ذاته.
وعليه، فإن الإطار القانوني المغربي قد وفر ضمانات واضحة لحماية الأطفال أثناء الاستماع إليهم كضحايا في قضايا الاعتداءات الجنسية، وجعل المصلحة الفضلى للطفل قاعدة موجهة للإجراءات، انسجاماً مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها. غير أن التحدي يكمن في التطبيق الصارم لهذه المقتضيات، وضمان التفعيل العملي للتسجيل بالصوت والصورة، وتوفير الكفاءات البشرية المؤهلة، حتى تظل المسطرة منسجمة مع النص وروح القانون، بعيداً عن أي ممارسات قد تُعرّض الأطفال لمساس بحقوقهم أو لصدمة إضافية

