مريم الخمليشي تكتب : أنت بضع أيام !

مريم الخمليشي تكتب : أنت بضع أيام !
مجلة 24 : بقلم مريم الخمليشي

إذا اقترب منك لص لسرقة مالك لاشك أنك ستمنعه من ذلك بالصراخ وطلب النجدة وضربه إن استطعت، وهذه ردة فعل طبيعية، بل إنك ستستغرب أيان استغراب إذا رأيت امرئا مستسلما للص، أو ربما يدله ببساطة على الجيب الذي فيه المال وهو يبتسم، لابد أنك ستقول يا لهذا الجبان الأخرق الأحمق!!!
أما إذا رأيت شخصا آخر بكامل قواه العقلية يرمي بأمواله في الشارع فستموت ضحكا، لكن هل سبق لك أن سمعت عن صديقين يتفقان على أن يلتقيا في ساعة محددة، بيد أن كليهما يعتقد أن صديقه سيتأخر ربع ساعة على الأقل، فيذهبان متأخرين ولا يعاتب أحدهما الآخر؟!
وهل سبق لك أن تصادفت في كل صباح باكر خرجت فيه لقضاء مآربك نساء يأخذن أولادهن للمدرسة، وحين العودة كل واحدة منهن تلتقي بجارتها أو صديقتها، فيقفن في وسط الطريق تتتحدثن لوقت طويل جدا عن فلانة التي تزوجت والأخرى التي تطلقت، وعلانة اشترت، ثم بعد ذلك يشتكين من مرور الوقت بسرعة، وعدم قدرتهن على إنجاز بعض واجبتهن في اليوم!
وشباب يتعللون بضيق الوقت لعدم القراءة وممارسة الرياضة والمشاركة في الحياة الاجتماعية، ومن حيث لا يدرون يضيعون ساعات طوال يتصفحون فيها مواقع التواصل الاجتماعي!
دعني أسألك يا قارئي العزيز، لاشك أنك تهتم بهذا الموضوع ما دمت تقرأ هذا المقال، ماذا يعني لنا الوقت؟ أليس هو بضع منا؟ ونفاذه من أيدينا يعني أننا نفقد رأس مالنا وفرصتنا للتعلم والتطور والتغير، وأننا نقترب من الموت، وما فات لن يعود أبدا؟
أتعرف ماذا يمكن أن نفعل في ساعة وفي نصفها وفي الدقيقة، نعم أمورا كثيرة جدا ومع تكرارها في كل مرة ستثمر ما لم تكن تتوقعه يوما، فلم لا نغتنم هذه الثروة العظيمة؟ لم نتعامل معه على أنه شيء زائد تافه لا يهم، ونتنافس في ضياعه، ونساعد بعضنا عليه. ألا ندرك أننا لسنا باقون في الحياة؟ وأن أنفاسنا معدودة بالوقت؟
أعرف أني جعلتك تشعر بتأنيب الضمير، وتتذكر أياما وساعات ضيعتها وندمت عليها، وأني أكثرت عليك بالأسئلة ودوختك، وأنك تحاول أن تجيب فتتداخل وتتشابك الأفكار داخل رأسك، ولعل سؤالا باغتك قائلا: هذه الكاتبة قبل قليل كانت تتحدث متهمة الآخرين بعدم إعطاء قيمة للوقت، وهي الآن تتساءل بضمير نحن، وهذا يعني أنها لا تشذ عن الآخرين، إنها جزء منهم فلم تعاتبهم؟ ،
دعني إذن أوضح لك أيها العزيز أننا جميعا نعرف أهمية الوقت، وندرك قيمته، لكن مشكلتنا الحقيقية ليست الجهل بقيمة الوقت، كلنا نعرفها إنما هناك فرق كبير بين أن تفعل وتحاول أن تجرب، إذ النفس تعتاد وبعد أن تعتاد تصبح كالحديد البارد المعوج، إذ يصعب جدا أن تقوم اعوجاجه، ولتفعل ذلك عليك أن تعرضه لدرجة عالية من الحرارة، وكثير منا لا يتحمل حرارة التغيير، ويرتاح لما ألفته نفسه واعتادته، وهذه مسؤولية تتحملها الأسرة بالدرجة الأولى ثم المدرسة، صحيح أنهم قالوا لنا إن الوقت أثمن من أي شيء، لكنهم لم يدربونا ويربونا على ذلك.
ولهذا تجدنا ننام متأخرين ونستيقظ متأخرين، لا الصباح صباح ولا الليل ليل، نأكل ونظل جاليسن قرب الموائد نتحدث في كل شيء ولا نقول شيئا!! دردشات ومحادثات فارغة تافهة…عشوائية في إدارات المهمات والواجبات، لا نتوقف عن صرف وقتنا بسخاء كبير جدا، بل نسهم في تضييع حتى أوقات بعضنا، ولا نبالي فنحن متسامحون، متسامحون جدا، نتسامح مع من يسرق أوقتنا، بل مع من يسرقنا، ولكننا لا نتسامح مع من يسرق لنا دريهمات يمكن أن تعوض، ونتهكم من الذي يهدر أمواله على قارعة الطريق، ولا نتهكم من الذي يهدر وقته!!!
المشكلة هي أنه حتى إذا أردت أن تتغير، ستجد صعوبة كبيرة جدا ما دمت في مجتمع بكامله لا يقدر الوقت، كيف ستربي نفسك وتلتزم إذا كان الجميع لا يلتزم فلا الإدارات تفتح في الموعد، ولا المواصلات تأتي في وقتها، ولا الآخرين يلتزمون، بالتالي تجد نفسك استثناء، وسيشيرون إليك بإبهمهم باعتبارك خارج عن القطيع، ومهووس بالتفاصيل والتدقيق.
طبعا أنا لا أدعوك إلى أن تكون مثل الجميع، وتعيش حياتك كما اتفق، وفي نفس الآن لا تكن مثل الآلة، وتعمل على أن تلتزم بالدقيقة والثانية، فذاك مرهق جدا وليس عملي وشبه مستحيل، لذلك عليك أن تضع نصب عينك أنه بالرغم من محاولتك الحثيثة على استثمار الوقت على وجهه الكامل فإنك ستعجز عن ذلك ومن غير أن تدرك ستجد نفسك تضيع ساعات وأياما ثمينة فيما لا يستحق، ستغلبك أحيانا شهوتك ورغباتك في قضاء وقت طويل في الاستجمام والاستمتاع والنوم أو بإعطاء وقت لأشخاص ستكتشف فيما بعد أنهم لا يستحقونه، ولأمور تافهة، ولقصص لن تجدي نفعا، وأحيانا سيتعكر مزاجك فلن تقدر على فعل أي شيء. ما الحل اذن؟
الحل عندك، لا أحد يعرفك جيدا غير نفسك، وكل الدورات والكتب التي تحاول أن تساعدك لتستفيد من وقتك تعطيك حلولا ومقترحات، وأنت عليك أن تحدد، أنت تعرف ما تريد تعرف أهدافك وأولوياتك، ما تحب وما تكره، متى تكون نشيطا ومتى تكون أقل نشاطا. عليك أن تجتهد لرسم طريقة عيش يومك
المهم يا عزيزي تذكر دائما أن تلك العقارب التي تسمعها هي خطواتك لمغادرة الحياة، وأن ما يمر منها لن يعود أبدا، ويذهب معها شبابك وفرصتك لصناعة أمور عظيمة. أرجو ألا تنتهي من قراءة المقال وتقول: لقد ضيعت وقتي في القراءة دون طائل.
لكني يا عزيزي هل أجبرتك على القراءة، أنت فعلت ذلك طواعية، فرجاء لا تتهمني بأني سارقة لحياتك. فإنها تهمة كبيرة، كبيرة جدا وثقيلة لا أستطيع تحملها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *