لا شيء يحدث بالصدفة ..
اكتساح فيروس كورونا للعالم ليس صدفة بل جاء نتيجة عوامل متضافرة منها تراكم مشاكل البيئة والتلوت الكميائي وانتشار السمية في المياه والنباتات والاستغلال المفرط للغابات والأحياء البحرية واندثار الطبيعية وتوسع المدن والقضاء على الحيوانات البرية المهددة بالانقراض وتراجع الحياة الطبيعية في البراري .. لاشيء يحدث بالصدفة .. الإنسان هو الكائن العاقل الوحيد في هذه الأرض يتفاعل سلبًا وإيجابًا مع محيطه الطبيعي وقد تسبب خلال عقود قليلة في مشاكل كثيرة نتيجة حروبه ضد الطبيعة، الأرض هي أيضا حياة وفضاء للتنوع الطبيعي الذي خلقة الله ووفر له سبل التطور والعيش في معادلة لا يجب أن تختل .. هل تتذكرون حرائق استراليا المدمرة وحرائق الأمازون الخطيرة في صيف 2019 ، والكثير من الكوارث التي تسبب فيها الإنسان في أفريقيا خلال الاستعمار، وفي كل مكان هنا وهناك، بوعي منه أو بدون وعي .. الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد الانخراط في تطبيق قرارات اتفاق باريس حول تغيير المناخ، وقررت في السنة الماضية الانسحاب من الاتفاقية كما أعلنت في مطلع فبراير 2020 عن عزمها التخفيض في مساهمتها في ميزانيّة المنظّمة العالميّة للصّحّة بنسبة%53. ويبدو ان الرئيس الجديد بايدن سيراجع السياسة الامريكية في مجال المناخ كما جاء في برنامجه الانتخابي. والصين لاتقيم وزنا للتلوث الخطير الذي يلف مدنًا بأكملها، فالسباق نحو تحقيق الأرباح والسباق نحو الزعامة أعمى المسؤولين بهذا البلد، الصينيون شعب اعتاد أن يستهلك الكمامات بوفرة للوقاية من التلوث الذي يلف مدنا بأكملها، من ضمنها العاصمة بيكين سنوات قبل انتشار كورونا ..
منذ 1940، ظهرت أو عاودت الظهور مئاتٌ الفيروسات في مناطق لم يسبق لها أن ظهرتْ فيها. وكمثال فيروس نقص المناعة المكتسب (السيدا)، وايبولا في غرب إفريقيا، وكذلك فيروس زيكا في القارّة الأمريكية. ويعود أغلبُ هذه الفيروسات إلى أصل حيواني بنسبة (%60) بعضها ناتجٌ عن حيوانات أليفة، وأغلبها (أكثر من الثلثيْن) أصله من حيوانات بريـّـة.
رغم ذلك فالحيوانات البريـّـة لا دخل لها في كلّ هذا إذ من الخطأ الاعتقادُ أنّ هذه الحيوانات موبوءة بشكل خاصّ، وحاملةٌ لعناصر ضارّة قاتلة وجاهزة لنشر العدوى. الحقيقة أنّ أغلب الفيروسات التي تعيش في هذه الحيوانات لا تُسبّب لها أيّ ضرر. المشكل يتجلى في تدخل الانسان المفرط في اجتتات الغابات وبناء المدن والتصنيع، وهو الذي منح لهذه الفيروسات إمكانية الوصول إلي جسم الإنسان والتكيّف معه.
إن تدمير محميات الحيوانات أدى إلى انقراض مجموعة من الأنواع النادرة ومن ضمنها النباتات الطبية التي طالما شكّلتْ المصدرَ الرئيسيّ لصناعة الأدوية. والباقي من النباتات والحيوانات المهددة بالإنقراض لم يبقى من خيار سوى حمايتها وذلك بوضعها في الملاذات الضيقة القريبة من المستوطنات البشريّة. ونتج عن ذلك تزايدُ احتمال الاختلاط المتكرّر عن قرب مع الإنسان، الأمر الذي يتيح للفيروسات والجراثيم التي تحملها هذه الحيوانات الإنتقال إلى الإنسان والتحوّلَ من صفتها الحميدة إلى مسبب للأمراض القاتلة.
ويوضّح فيروس ايبولا الوضعية خيْرَ توضيح. فقد كشفتْ دراسةٌ أنجزتْ سنة 2017 أنّ مصدر هذا الفيروس جاء من عدّة أنواع من الخفافيش، وظهر في مناطق وسط وغرب إفريقيا التي تعرّضتْ في الفترات الأخيرة إلى عمليّات مكثفة لاجتتات الغابات.
عندما يقضي الإنسان على الغابات، نُجبر هذه الخفافيش على العيش معنا في حدائقنا وضيعاتنا، وقد تتحول الى مادة غدائية نستهلكها كما يحدث في الصين وفي بعض المجتمعات بشرق آسيا. ومنَ السّهل أن نتصوّر ما يحدث بعد ذلك قد يبتلع الإنسان لُعاب الخفاش عندما يقضم ثمرة فاكهة حطّ عليها أو محاولة اصطياده وقتله، وعلى هذا النحو تمكّنَ عددٌ كبير من الفيروسات غير الضارّة التي تحملها الخفافيش من اختراق عالم الإنسان «اجتياز حاجز النّوع» هذا إن تم بشكل متكرّر، يسمح للجراثيم الكامنة في الحيوان بالتّكيّف مع أجسادنا، وبالتطوّر إلى الحدّ الذي تصبح معه مُسبّبةً للأمراض والأوئة كما نعيشها اليوم .
لا تزداد مخاطر ظهور الأمراض عن طريق تدمير مكامن الحيوانات فحسب، بل وكذلك بسبب كيفيّة استغلالها لإرضاء شهية تناول لحومها ، فقد قضى الإنسان على مساحات تعادل مساحة القارّة الإفريقية حتّى يتمكّن من تغذية وتربية حيوانات مُعدّة للذّبح. وهي حيوانات يتمّ تصريفُ بعضها في مسالك تجاريّة غير قانونيّة،أو في أسواق معدّة للحيوانات الحيّة كما رأينا ذلك في أسواق بيع لحوم الحيوانات بمدينة ووهان بالصين وغيرها، قد نجد فيأسواقها أنواعا من الحيوانات المختلفة ما كان لها أن تلتقي في الطبيعة أصلا، موضوعة في أقفاص متجاورة، الأمر الذي يسمح للجراثيم والفيروسات بالانتقالِ منْ نوع إلى آخر بكلّ سهولةٍ. ولعلّ هذا النّوع من التّطوّر الذي سبق له أن ولّد خلال 2002-2003 فيروس كورونا المسؤول عن وباء «متلازمة الالتهاب الرئويّ الحادّ (سارس) ويمكن أن يكون منطلق فيروس كورونا (كوفيد19) المجهول الذي يُحاصرنا اليوم.
استعنت في هذا المقال بمعطيات من صحيفة لوموند ديبلوماتيك النسخة الرقمية بالعربية عدد مارس 2020

