قوة الإعلام الرياضي وحدود الوطنية: حين يربح الوطن أكثر مما يخسر اللقب
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع
باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب
ليست الهزيمة في حدّ ذاتها هي ما يوجع، بل السياق الذي تُدار فيه، والعقول التي يُفترض أن تحمي المعنى فلا تفعل. ففي اللحظة التي يضيع فيها لقب قاري، تُختبر ليس فقط جاهزية اللاعبين والمدربين، بل أيضًا نضج الإعلام، ووعيه بدوره، وحدود الوطنية لديه.
حين يقف صحافي محسوب عليك، وفي قلب بلادك، ليسائل مدربك مباشرة بعد خسارة مؤلمة بسؤال زنقاوي من قبيل: “واش غادي تمشي الليلة ولا غدا الصباح؟”، فأنت لا تسقط في سقطة فردية، بل تعلن أزمة مؤسسة. وحين يُقابل هذا السلوك بتصفيق وعبارات “bravo” لمدرب الخصم الذي مارس الخبث والضغط النفسي والابتزاز الرمزي أمام أنظار الملايين، فاعلم أن الخلل أعمق من زلة لسان، وأن الإعلام الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأول، اختار أن يكون ثغرة.
الإعلام الرياضي ليس منصة للتشفي، ولا فضاءً لتفريغ العقد، ولا مسرحًا لاستعراض “الذكاء” الرخيص. هو جزء من القوة الناعمة للدول، ومن أدوات حماية المنتخبات في اللحظات الحرجة. وما وقع كشف أن بعضنا لم يستوعب بعد هذا الدور، ولا معنى أن تسبق بلدك قبل أي حساب آخر.
ولعل المقارنة هنا مؤلمة لكنها ضرورية. بعد إقصاء مصر، ورغم الأخطاء التكتيكية، ورغم التصريحات التي ارتدت سلبًا على أصحابها، اختار الصحافيون المصريون، حين اشتد الهجوم، أن يعارضوا الندوة، وأن يلتقطوا صورة دعم مع مدربهم. لم يبرّئوه من الأخطاء، لكنهم فهموا أن لحظة الضغط الخارجي ليست وقت تصفية الحساب الداخلي. الحساب يُؤجَّل، أما البلد فلا يُترك عاريًا.
أما نحن، فكان السؤال البسيط: ماذا فعل إعلامنا ليصدر الضغط؟ ماذا راكم من خطاب ذكي حول التحكيم، أو السياق، أو الحرب النفسية التي بدأها مدرب الخصم قبل النهائي؟ ماذا قدّم غير أسئلة عبثية تزيد الجرح اتساعًا؟
ومع ذلك، ورغم خسارة الكأس الإفريقية الثمينة، فإن الخسارة لم تكن كاملة. بل لعلها، paradoxalement، كانت لحظة ربح أعمق. لقد ربحنا صورة. وربحنا معنى. وربحنا قدوات.
ربحنا “أساتذة” للأجيال الصاعدة في الاجتهاد، في إخلاص النية، وفي الإيمان بأن النجاح لا يُهدى، بل يُنتزع بالعرق. ربحنا صورة المغربي الذي يدخل المعركة محاطًا بدعاء أمه وأبيه، كما يدخل التلميذ قاعة الامتحان وهو يحمل في قلبه دفء البيت.
ربحنا أولئك الذين يتمرغون في التراب من أجل أبناء جلدتهم، لا من أجل مكافأة عابرة أو لقطة كاميرا. وربحنا حكايات العمل الصامت: عن التداريب القاسية، والانضباط، والاختيارات الشجاعة، والتضحيات التي لا تظهر في لوحات النتائج.
الأهم من كل هذا أننا ربحنا جيلًا كاملًا. جيلًا تعلّقت أحلامه منذ سنوات بهذه النماذج. جيلًا تشرّب معنى الانتماء حين تحوّل إلى فعل، لا شعار؛ إلى تخطيط، لا خطابة؛ إلى صبر ومثابرة، لا انتظار صدفة.
فهم الأطفال، على طريقتهم البريئة، أن النجاح مشروع يبدأ من التفاصيل الصغيرة: أن تنهض مبكرًا، أن تتمرن، أن تصاب ثم تعود، أن تحتمل النقد، وأن تواصل رغم الخيبات التي تتراكم كغبار الطريق.
وهنا يظهر الفارق المؤلم بين جيلهم وجيلنا. نحن الذين كبرنا على علاقة باردة مع فكرة الوطن. نشيد يُردد باللسان لا بالقلب، وعلم يُرفع بأمر إداري ثم يُطوى بلا أثر. ضحكنا، في طفولتنا، حين أُجبرنا على تحية العلم، لأن المعنى كان غائبًا.
كبرنا نبحث عن معنى خارج الحدود، لأن الداخل كان بخيلًا بالمعنى. لذلك، لا نملك اليوم أدنى حق في إنكار جميل هؤلاء المقاتلين الذين أعادوا الوطن إلى الوجدان، وأحيوه في جيل كامل، حتى صرنا نخرج معهم إلى الشوارع، لا من أجل فوز فقط، بل من أجل شيء ثمين اسمه المغرب.

