في فلسفة الدولة و المجتمع ، سؤال في التجلي (الحلقة 2)

في فلسفة الدولة و المجتمع ، سؤال في التجلي (الحلقة 2)
بقلم د. سعيد تاشفين أولعنزي

نافلة القول ؛ إن الدولة تولد من رحم الشعب عبر الإحتكام لقواعد الضمير الجمعي ؛ او لنقل القانون الطبيعي على أرضية توثيق الحق الطبيعي المستمد من رحم الضمير و الفطرة الانسانية . و بناء عليه نجد الدولة مجموع القواعد الاخلاقية / القيمية المستمدة من فطرة الضمير الجمعي / الحق الطبيعي = القانون الطبيعي / القانون الوضعي . و منه فالشعب ملزم بإخضاع الدولة لقواعد الضمير ، و الدولة ملزمة بأن تتمثل الحقوق في نبلها ، أي الضمير الجمعي . و بذلك نصل إلى الدولة الفاضلة لصالح المجتمع الفاضل . و بلغة السياسية ؛ دولة ديموقراطية لمواطنين ديموقراطيين . و بمنطق الخلف ؛ كلما تعايش المجتمع ( جماعة بشرية = الشعب ) مع اللاضمير ؛ بمعنى مع القيم المتنافية مع الضمير السليم ، إلا و فشل في بناء دولة فاضلة ، و كلما انحرفت الدولة ، ضمير مؤسساتي جمعي ، عن تجسيد الحق ، أي ما يسمح به الضمير بالفطرة = الحق الطبيعي ، كلما عجزت عن تحقيق الحق الطبيعي ، أي دولة غير فاضلة . و بذلك ننتهي الى أن الدولة الفاسدة تكون من نصيب المجتمع الفاسد ، و الدولة الفاضلة تكون من نصيب المجتمع الفاضل . يبدو أننا مع آليات دقيقة في تحديد الجوهر القيمي لماهية الدولة . و بقدر ما ينحرف الأشخاص الطبيعيون ، أي البشر ، بقدرما تنحرف الدولة ، اي شخص معنوي اعتباري مؤسساتي قانوني/ تتجلى عبر جهاز مفاهيمي . و من ثمة فليس هناك في علم السياسة سوى نمودجان مختلفان للدولة ، و كذلك ، في سوسيولوجيا السياسة ؛ ليس ثمة سوى نمودجان مختلفان للمجتمع . دولة فاضلة ؛ أي ديموقراطية ، لمجتمع فاضل ، أي ديموقراطي . و دولة فاسدة ، أي عكس فاضلة و غير ديمواقراطية ، لمجتمع فاسد ، أي غير فاضل و غير ديمواقراطي . و بناء على هكذا فهم ؛ استنتج أن صنف الدولة من صنف الشعب ، و صنف الشعب من صنف الدولة . و العلاقة بين الإثنين دقيقة و جدلية و تفاعلية . إذ لا يمكن أن تكون الدولة ديموقراطية ( دولة فاضلة ) في كنف مجتمع فاسد . و تبقى الخطورة عندما تتماهى الدولة و المجتمع معا مع الفساد ، بمعنى عندما تعجز الدولة و المجتمع معا عن معانقة ماهية الفضيلة ، و هنا طبعا تتعمق أخلاق الفساد لصالح تقوية الدولة الفاسدة للمجتمع الفاسد و دعم المجتمع الفاسد للدولة الفاسدة . و عليه ؛ إن الدولة فلسفيا هي ضمير الشعب ، و لذلك تحتكر ، على أساس الإختصاص ، كل أنماط العنف المشروع و القوة المشروعة . و عليه فكل سلوك لا ينسجم مع القواعد الأخلاقية ( القانون ) يستحق حتما عقابا مناسبا ، أي العنف المشروع = العقاب حسب مضمون القانون . فالسجن مثلا أداة لتنفيد العنف المشروع من لدن الدولة ، اي الضمير الجمعي ( مفهوم اجرأة السلطة عند ميشل فوكو ) . و يبقى السؤال ؛ ماذا لو عجزت الدولة عن عقلنة العنف المشروع ؟ في هذه الحالة سيكون عنف الدولة ضد نواميس الضمير ، و عليه ببساطة سنكون أمام دولة غير فاضلة ، و الفضيلة طبعا ليست إلا نقيضا للفساد . و لهذا اذا كان الخطأ من حقوق البشر ، فإنه ليس من حق الدولة نهائيا لأنها عقل جمعي . ببساطة ؛ لأن الدولة ضمير الشعب ، عبر نسق من المؤسسات ؛ إنها ضمير مؤسساتي جمعي . فالمحكمة و ” البوليس ” و السجن و القانون الجنائي و كل مؤسسات العقاب المشروع ، كل ذلك ليس سوى ميكانزمات إنفاد القانون ( النفاد ) ، أي تطبيق العنف المشروع لصالح حماية الضمير ، أي الفضيلة . فالذي اغتصب حقا يستحق السجن بعد محاكمته بمقتضى القانون الجنائي الذي وضعته الأمة ، أي الشعب ، من خلال ممثلي الأمة ، أي عبر الديموقراطية التمثيلية ، من اجل حماية حقوق الجماعة . و بمنطق الخلف ، عدم معاقبة ذلك الجاني سيشكل اعتداء سافرا على حقوق الجماعة . و بذلك تحمي الدولة حقوق الجماعة عبر تنفيد القانون الذي هو تعاقد الشعب على أساس قيمي / أخلاقي . إن تحقيق العدل و الانصاف ، تكريس الحق و العدالة ؛ من أهداف الدولة الديموقراطية . كما أن السماح او التماهي او التطبيع مع السلوكات التي تتنافى مع الضمير ، ليس من شيم الدولة الديموقراطية . و بالتالي من شيم الدولة المتناقضة مع قيم العدل و الإنصاف ؛ أي مع الضمير ، أي الدولة التي تتنافى مع الفضيلة .

و صفوة الفهم ؛ إن الدولة ملزمة فلسفيا ( فلسفة القيم السياسية ) بالإنتصار للضمير ، و لروح الضمير ، ببساطة لأن الدولة هي الضمير الحي و اليقظ للشعب . و متى تخاذلت الدولة في الإمتثال للحق و للعدل ، و متى تواطأت الدولة مع الفساد ، كلما طبّع المجتمع بدوره مع الفساد . إن الشعب هو الجسد ، و الدولة ضمير ذلك الجسد . و كلما اعتمدت الدولة على العنف المشروع من أجل توطيد الحقوق بتصويب الإخلالات و بتقويم السلوك ، كلما كانت دولة فاضلة ، و كلما زاغت الدولة عن ذلك ، كلما بدأ المجتمع ، أي الشعب ، في التدخل لتقويم آليات اشتغال ضميره الجمعي ؛ اقصد الدولة ( الاحتجاجات ضد الفساد محاولة لتصويب الضمير الجمعي ، أي الدولة . و بالتالي لا يجب أن تزيغ الدولة عن احترام ماهية وجودها ؛ و ماهية الدولة دائما هي خدمة الشعب عبر إحقاق الحقوق ، و بذلك تتحقق الدولة الفاضلة .

بناء على كل ما سلف ؛ إن الحاجة إلى الدولة الفاضلة يندرج ضمن الحاجة الى احترام آدمية الانسان . و الإنسان حيوان سياسي/ أخلاقي / تاريخي ، لأنه الوحيد في عالم المخلوقات الذي يتجاوز حياة الفوضى ( حالة الطبيعة ) من أجل ادراك حياة المدنية ( حالة الدولة ) . و كلما زاغت الدولة فلسفيا عن قيم الحق و العدل و الإنصاف ، إلا و ابتعدت عن حياة المدنية ، و بالتالي مالت الى حياة الفوضى ، أي الطبيعة الحيوانية المبنية على العنف . و عبر الدولة الفاضلة تتحقق مدنية الانسان . إن الدولة مرآة المجتمع كما أن المجتمع مرآة الدولة ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *