في فلسفة الدولة و المجتمع ، سؤال في التجلي (الحلقة 1)
مهما اختلفنا حول نوع الدولة أو صنفها ؛ فالأهم أن الدولة تبقى أحسن منتوج توصل اليه العقل البشري في سياق تدبير المشترك . و لا شك أن الخروج من حالة الطبيعة و ما ميزها من فوضى عارمة تحت سيادة ” قانون ” القوة ، نحو حالة الدولة و ما يميزها من سيادة القانون الوضعي على قاعدة الحق بدل القوة ؛ شكل أهم تحول في تاريخ الأنطولوجيا البشرية . و سأكتفي بنمودج لنظريتين اساسيتين هما ، نظرية ” العقد الاجتماعي ” للمفكر ” جون جاك روسو ” ، و نظرية ” طوماس هوبز ” ذات نفحة دولاتية فريدة .
لقد كان ” روسو ” دقيقا جدا عندما قارن بين حالة الطبيعة و هيمنة مبدأ القوة على حساب مبدأ الحق ، و نجد في كتاب ” أصل اللامساواة ” هذا الفيلسوف يقعد لتصور خاص و فريد حيال المِلكية ( بداية الملكية الخاصة ) ؛ فالذي سيج قطعة أرض و قال هذه لي ؛ هو أول وغد أصّل للملكية الخاصة ( استعمل روسو عبارة وغد لوصفه ) . إن الحق في الملكية ليس ما يعاديه روسو ، أبدا . اذ نجد الرجل يرفض هذا الحق اذا استند على القوة لا على الحق . و اؤكد أن ميلاد نظرية العقد الإجتماعي شكل أهم تحول نوعي في تاريخ الحق و الواجب على أساس السيادة للأمة ؛ بعيدا عن إكراهات الفهم التيوقراطي للسيادة . فالعقد الاجتماعي يؤصل للدولة على قاعدة صلبة مفادها أن الشعب وحده يملك السيادة على أساس المتوافق عليه ؛ أي القانون . إننا أمام القاعدة القانونية التي تتولى ضبط العلائق الإجتماعية من خلال إخضاع كل الاطراف الى المتعاقد عليه ، إنه القانون الأسمى الذي يولد من رحم الإرادة الشعبية بدل الفهم التيوقراطي للمشروعية ؛ إنه الدستور الملزِم لكل الأطراف باحترام بنود العقد الاجتماعي المتوافق عليه . إن الدولة إذن على أساس تصور روسو ليست سوى القاعدة الأخلاقية و القانونية العليا ( الضمير الجمعي ) المنبثقة من رحم الإرادة الشعبية لصالح الشعب نفسه . إننا ، و بلغة ابراهام لنكولن أمام قاعدة ؛ ” من الشعب إلى الشعب بواسطة الشعب ” . و إذا كان روسو مفكرا ديموقراطيا و مدافعا شرسا عن سيادة القانون / الدستور في ضبط العلاقات العامة و الخاصة ، فإن ” طوماس هوبز ” لم يبتعد قيد أنملة عن المبدأ المعتمد من لدن روسو ؛ إذ نجد ” هوبس ” في نقاشه لفكرة ” الحق الطبيعي ” ينتصر بشجاعة الى الوازع الأخلاقي ، إنه الضمير ؛ أو بلغة ” افلاطون ” صوت الله في النفس ” ، و الحق الطبيعي يشكل أرضية مؤسسة لميلاد القانون الطبيعي . بمعنى أن القانون الطبيعي ولد من رحم الحق الطبيعي كنسق قيم الفضيلة المؤصلة في الفطرة الأدمية و بها ، و الحق الطبيعي ولد من رحم الضمير ، و الضمير هو القدرة الفطرية على التمييز بين الخير و الشر . فالشر هو الظلم و الحيف و العنف و الاعتداء و القهر .. إنها مختلف تمظهرات اللاضمير ، بيد أن الخير هو الحق و العدل و الإنصاف و التسامح و نبد الغلو .. بمعنى مختلف أنماط السلوك الذي يزكيه الضمير السليم . و لذلك نجد طوماس هوبز يدقق النظر في حياة الطبيعة حيث سادت الفوضى ، و يقارن ذلك بحياة الجماعة البشرية في كنف الدولة ، ثم نجد مخرجات التحليل لدى هوبز لا تختلف عن ماهية الفعل السياسي لدى روسو . و بكل بساطة نجد تمفصلات كتاب ” الليفيطان ” لهوبس تنتصر بقوة و بشجاعة للدولة على أنقاض الطبيعة . إن الدولة هي الإنسان ، و الطبيعة هي التوحش ، و إن الملكية ، كشكل من أشكال تدبير الدولة ، تشكل رُقيا و تقدما في الفهم و الإدراك .
يهمني أن الدولة شكلت اكتشافا رائعا في تاريخ الإنسان على سطح الارض منذ ما بعد مرحلة المشاعة البدائية و النظم العبدية . فالدولة هي أداة خدمة الشعب نفسه لنفسه عبر ضبط تقسيم تدبير السلطة . إنها الضمير الجمعي ، و هي عقل مؤسساتي جمعي بصيغة أدق ؛ ينظر و يفكر و يتحرك من أجل حماية و تحصين مصالح الجماعة ، أي مصالح الشعب . من هنا تشكل الدولة الأداة المثلى لخدمة المصلحة الفضلى للشعب . مخرجات الفهم أن الدولة سياسيا و أخلاقيا قبلها في خدمة الشعب ، و ليس العكس . و منه سنجد عند صاحب ” روح القوانين ” مفهوما جديدا و دقيقا . فروح القوانين عند ” مونتسكيو ” من أهم أدوات حماية الشعب للدولة كي لا تزيغ عن الهدف النبيل المتمثل في خدمة مصالحه . بمعنى أن عدم ضبط الفصل الحقيقي بين السلط ؛ أي ضمان روح القانون ، قد ينتهي بانحراف الدولة عن ماهيتها . و اذا كان الإنحراف خاصية ملازمة لبعض البشر ، مثلا فلان منحرف ، بمعنى زاغ عن نسق القيم المتفق عليها من لدن الجماعة البشرية ، أي مختلف القيم التي يزكيها الضمير بالفطرة و تتوافق عليها الجماعة ، فإن الدولة ، عند ” إبن خلدون ” كائن سياسي قابل للإنحراف كذلك ، بمعنى شخص سياسي ، و لذلك فالدولة دون ضبط روح القوانين ستنتهي دولة منحرفة ؛ منحرفة عن ماذا ؛ عن خدمة المصلحة الفضلى للجماعة ، أي للشعب . و لإلزام الدولة بالوفاء في خدمة المصلحة العليا للشعب ، ينبغي لزوما تحقيق الفصل بين السلطات من أجل عدم التواطؤ في ابتلاع سلطة ما لباقي السلطات . إنه الفصل بين السلط عبر ماهية ” ترنسندنتالية ” لمبدأ و لقاعدة ” روح القوانين l’esprit des lois ” ؛ فروح القانون إذن لا يمكن أن يتحقق دون خدمة مصلحة الجماعة ، أي المواطنين . و عليه فماهية الدولة لا تحقق نبلها إلا بالإخلاص في خدمة الشعب ؛ و عبر خدمة الشعب تتحقق أخلاقيا ماهيتها ؛ إنها ” الدولة الفاضلة ” ، و الدولة الفاضلة أخلاقيا ليست سوى الدولة الديموقراطية بلغة علم السياسة .

