فكرة الحقوق بين الفلسفة و الآيدلوجيا ، مفارقات في الأصول و الإنزياحات ..
شهدت ثمانينيات القرن الماضي حصول نوع من الفجوة ” البولونية ” تحنُّ إلى مطلب الحق ، بمعنى إعادة التأمل في حقوق الإنسان كلحظة مؤسِّسة لانبثاق تحرر السياسي le politique الذي تحمّل لقرون تسلط سلطة الإكليروس المتواطئين مع الحكم المطلق في كنف بُنى فيودالية محدودة الأفق و المعنى ، و ذلك تحت تأثير ما حصل من رجّة في العالم جراء انحباس الفكر الشيوعي بعد اندحار الإتحاد السوفياتي من جراء فشل الكلاسنوت و البروسترويكا نهاية ثمانينيات القرن الماضي . و فكرة الحقوق مرتبطة منهجيا بفلسفة الفضيلة التي تحتاجها الإنسانية في حدود الممكن صونا للشرف و للكرامة و التي شكلت عنوانا عريضا لمطالب القوى الحية ضمن اليسار الفكري المعادي للأحادية منذ دفوع سقراط ضد ضجيج السفسطائين برحاب الأكورا ، مرورا بكل شهداء التحرر منذ جيوردانو برونو و كاليلو إلى نلسون مانديلا ضحية عنف الأبارتايد . و لقد كان كلود ليفور دقيقا في تفكيكه لنظيمة السياسة و حقوق الإنسان عبر مدخل التأويل البولوني المحرِّض للدعوة إلى الحق كأداة إجرائية كفيلة بقياس جودة الفضاء الإجتماعي المشترك على نقيض الفهم الطوطاليتاري للفضاء العام و للمؤسسات على قاعدة التعسف في مراعاة الإجتماعيات . يبدو لي هنا أن حقوق الإنسان كمادة للسؤال الفلسفي عن أجرأة الفضيلة يُحيلنا إلى إسهامات اليسار الفكري الذي بدأ مع سقراط إذن مرورا بكل المفكرين الذين رأوا أن الأرض يمكن أن تكون حاضنة لقيم الخير ، على قياس الفيض الأفلاطوني الذي يجعل إطلاقية الفضيلة و الجمال تقع حصرا على عاتق العالم الأخر ، بخلاف نسبية القيم الإيجابية الممكن توافرها ثم تمثلها في الدنيا كغيض من فيض بلغة الفرابي ؛ بمعنى كجزء من الكل المرتبط بالمطلق المحايث . و يجب عند الحديث عن فكرة الحق ألا تسقط النظيمة في بوثقة الأيديولوجيا ، بالأحرى يجب الإنفلات من المحددات المؤسِّسة للأدلجة كما حددها ناحت المفهوم دستون دوتراسي و طوّرها كارل منهايم و غيره . و يكفي التذكير أن التاريخ المعاصر انضبط إلى قناعة واحدة هي فكرة التحرّرية بحذر لازم . إن فكرة الحق فلسفيا لازمت كل اليسار الفكري الذي انتفض ضد ما ألمّ بالبشرية من صدْمات مرتبطة بدايةً بشرعنة العنف باسم القوة الجسدية التي احتكرها الباطريارك على نقيض الماتريارك ، عندما كانت علاقات الإنتاح تحتاج إلى القوة البدنية أولا ، ثم إلى اختراع الأسلحة ثانيا كشكل من أشكال تصريف القوة ، بغية شرعنة التفاوتات في توزيع فائض الإنتاج ، ثم بتأويل مُجحف لرمزية القوة المشروعة عبر العقائد و الأديان بمنطق سلطوي انتروبولوجيا متماهٍ مع الميزاج الجمعي المنمّط وفق قوالب الهيمنة المسنودة باحتكار وسائل الإنتاج ضمن محدودية الفعلية الإنتاجية حينها و بملاءمة مع المعتقدات الجماعية ، ثم نحو لحظة انبثاق الوعي الحديث مع ديكارت و زمرة المفكرين الجدد الذين انتفضوا ضد استبداد الفكر المطلق و ضد قهر الكهنوت للعقل و تحكمهم في رقاب الناس سياسيا باسم احتكار السماء ؛ أي بالعنف المقدس . و هذا التأويل التيوقراطي للهيمنة صنع تاريخا ممتدا بالرعب أفقيا و عموديا ؛ حتى أن محاكم التفتيش التي أبدعت في صناعة الموت على المقصلة القروسطية حسمت مع الكثير من محاولات إعادة الولادة و مدّدت تاريخ التسلط ردحا من الزمن طال كل زوايا العصر الوسيط . و نفسيا تواتر كل ما خلفته تلك المحاكم من عنف حتى أضحت جاذبية الحق مُغرية للبورجوازية الصاعدة و للنخب المتنورة ضمن تحررية الحركة الإنسانية التي حسمت مع تمييع تأويل رمزية السماء بوقاحة الأرض لصالح صون قدسية الكرامة الإنسانية . و أستنتج أن فكرة حقوق الإنسان ليست فقط وليدة الأيديولوجية البورجوازية الحديثة و المعاصرة أساسا ، من خلال محاولة ضحد آليات اشتغال العنف السياسي لدى مختلف الأنظمة الكلِّيانية التي اصطدمت بماكينة دعائية ليبرالية محترفة في التسويق للإستبداد الشرقي ؛ حتى أن الشرق بسيكولوجيا و جيو – استراتيجيا ( جغرافية القهر ) مرادف للظلم المؤسَّس على لبنات الأيديولوجية الإشتراكية و القومية الإثنية المتزمتة . فالشرق هنا هو الإتحاد السوفياتي الذي قتل الملايين عبر سياسة التطهير العرقي تحت إشراف كيستابو جوزيف ستالين ، و هو كذلك الصين التي قتل فيها ماو تسي تونغ الملايين كذلك منذ عام 1949 فجر تسلمه للسلطة ، و هو كل بلدان أروبا الشرقية التي قاومت بريق مشروع مارشال ” التحرري ” ، و انخرطت في الحرب الدعائية التي ثم التقعيد لها من خلال ” الكومنترن ” و ” الكومنفورم ” ، و هكذا سوقت الليبرالية لنفسها على أشلاء نقيضها معتبرة نفسها حلم المكبوتين و فردوس التواقين إلى الإنعتاق . و طبعا لكل ذلك تداعيات وخيمة على سيكولوجيا الجماهير في العالم الذي حصل إخضاعه قهرا لسلطة القطب الواحد منذ فشل البروسترويكا و الكلاسنوت كتمرين لدمقرطة النظام الأشتراكي إبان حكم بوريس إلتسين . لذلك فالشرق تمثلا يرمز للإستبداد و ضيق الأفق ، عكس الغرب الذي هو نفسيا مجال ضامن للحرية و الإنفتاح و حقوق الإنسان و الليبرالية كمبدأ تحرري عام ، بما ينسجم جيو – استراتيجيا مع جغرافيا الغرب التي هي أروبا الغربية و الولايات المتحدة الأمريكية كقوى حاضنة لفكرة حقوق الإنسان كمدخل للأيديولوجيا الإصلاحية . رغم أن فكرة الحقوق تاريخيا ، ضمن دقة السياق الفكري في شموليته و عرضانيته ، تمتد منذ لحظة ولادة الفلسفة كفكر جديد يمتح من القدرة التفاوضية الهائلة التي يوفرها العقل بخطابات ترافعية بحجج واضحة في الدفاع عن الفكرة عبر عقلنة اقتسام الفضاء العمومي ( الأكورا ، الفوروم ) الذي كان عنوان عريضا للمدينة ( البوليس ) كمجال يحتضن النقاش العمومي عبر دفوع تشرئب إلى معانقة فكرة الحق و تُفاوض عليه . و لذلك مطلوب أن نفحص نظريا هذا البعد الممتد كونيا للحق ، كرمزية عليا ، مرتبطة بكل الإنفلاتات الحاصلة ضد التحكم و الإستبداد طيلة تاريخ طويل من المقاومة ممتد مع كل الأنبياء و الرسل و الفلاسفة و فحول المصلحين بكل لحظات التحرر تاريخيا . و إذا كان واقع الحال ، وفق شروط ايديولوجيا الحقوق ، مرتبط في سياق قريب بحقوق الأقليات المضطهدة ، فإن تاريخ السلطة ، كمادة علمية و كبيداغوجيا في تمرين تدبير القوة المشروعة ، مرتبطة بالدرس الأول في بيداغويا العلوم السياسية بالنزوع نحو التحكم منذ العهود الغابرة وفق أشكال متعددة من ممارسة تناول السلطة و انفادها من خلال ترابط السلطة و القانون و الدولة . و لذلك كان روسو يصف من تهور و سيّج قطعة أرض و قال هذه لي بالوغد الحقير محاولا التعبير عن الهواجس الأنانية الملازمة لحب التملك . إنها ثورة مناضل حقوقي ، بالمعنى الفكري ، ضد النزْعة الإنفرادية في احتكار الخير و ضحد اختناق المشترك لصالح النزعات الذتانية الضيقة . بمعنى أخر إن فكرة حقوق الإنسان كانت فكرة إجماع بشري قبل العهود الغابرة حيث صراع الخير و الشر كثنائية قيمية ضابطة لكل أنساق القيم المتولدة عنها ، مرورا بثورة فرنسا بشعارها ” الإيخاء / الحرية / المساواة ” ، نحو الإعلان عن الميثاق الأمريكي لعام 1776 كتمفصلات سياسية كبرى كقطائع نوعية . و عليه فهي فكرة كانت سابقة تاريخيا عن الدولة ، بحيث لازمت فكرة الحق فكرة الخير منذ المجتمعات الأولى التي رفضت الأنتروبولوجيا وصفها بالمجتمعات البدائية ، كما أكد كلود ليفي ستراوس في ثنايا مثنه الدقيق ” العقل المتوحش ” . إنها بشكل ما أصالة الحقوق الطبيعية التي كانت متأصِّلة في الإنسان منذ أن كان حيوانا تاريخيا يعيش وجوده بالوعي العقلاني . و لذلك كان التاريخ دائما مسرحا للمشاريع التحررية و للنهضات الفكرية التي انقلبت إلى أضدادها تحت عنف التأويلات الأيديو – سياسية في لحظات متعددة حتى أن النزعات الإشتراكية أنتجت عقائد منحرفة جراء سوء تأويل فكرة الحق / الخير كما حصل مع هتلر النازية و موسولوني الفاشية و غيرها من الأنظمة الشمولية . و أزعم أن الإنسان يُحيل على نفسه لكونه مصدر الحقوق و منبعها ، ببساطة لأنه الوحيد ضمن الموجودات القادر على عقلنة الفهم الإجتماعي بالإنتصار لقيم الفضيلة كقيمة ناظمة مُدركة بالعقل المنفلت من تداعيات الفهم الهمجي للمشترك المجتمعي . نظريا الفهم هنا سليم ، غير أن عالما عام 1975 حصل على جائزة نبل لكونه بيّن أن الحيوانات تقتل بعضها البعض لثلاتة أسباب ؛ الدفاع عن النفس ، و الدفاع عن النوع ، و الدفاع عن المجال ، عكس البشر الذي طور ترسانة من الأسلحة الفتاكة ، و الذي ما فتيء يُشعلها حروبا دامية لأتفه الأسباب حتى أن التنافس الإمبريالي بين القوى العظمى إبان الحرب الدولية الثانية قتل أكثر من خمسين مليون قتيلا بقنابل أنتجها العقل العسكري العملي !! و عليه فالعقل يحتاج إلى مكابح تُفرمل نزْعاته المتهورة ضمن ما يمكن تسميته ب ” إبيستيمولوجيا العقل ” وفق المتاح من فرامل أخلاقية تمتح من نواميس الخلق الأول و من الفطرة الأدمية السليمة . ففكرة الخير إذن ليست أصيلة فطريا في البشر من هذا الجانب ، لذلك فضبط الحقوق و منحها بالتنقيط ضروري على ضوء من أنتجه العقل السياسي التوسعي من حروب وخيمة ، خاصة بعد ميلاد الدولة بالمعنى الطوطاليتاري كما بينت حنة أرندت قصد التحكم في الأفراد و الجماعات بفضل القوة المشروعة التي تكون في خدمة الدولة دائما كمشترك مجتمعي متحكم فه . و لذلك ظلت قناعات المفكرين تتراوح بين قبول و رفض بالفضيلة كتجل لمبدأ حقوق الإنسان ، حتى أن كلود ليفي ستراوس انحاز إلى النسبية و للرفض في التسليم بوجود معيار لا يكون مجرد مُواضعة متغيرة تاريخيا ، حيث يجب إخضاع كل شيء ضمن لعبة التاريخ لقانون الجدل . فستراوس هنا ليس ماركسيا بالمعنى الضيق لمفهوم الجدل ، بل على نقيض الفهم كان جدليا لفهمه أن الإنسان مهدد بالتلاشي ؛ على غرار ما بينه فريديرك انجلز في رسائله إلى فيورباخ تحت عنوان ” كل ما يولد يستحق التلاشي ” ، و هي إشارة إلى ضرورة المواءمة مع خطاب كونية و لازمانية حقوق الإنسان .
و رغم كل المفارقات الحاصلة تحت تداعيات الحرب بين التاريخ و الفلسفة و الأيديولوجيا في حقل الحقوق ، و مهما عظُمت الإنزياحات الجوانية الحاصلة بفعل زمرة من الفلاسفة الذين قدموا أنفسهم قرابين للجهل المقدس من أجل أنسنة التاريخ و ترشيد العقل و توجيهه نحو الفضيلة ، منذ استشهاد المعلم سقراط ، إلى كل ضحايا محاكم التفتيش و مضايقات العنف المقدس بكل أصقاع المعمور ، نحو حرق جيوردانو برونو حيا بحكم من الكهنوت و الحكم المطلق ، إلى مضايقة كوبيرنكوس و محاكمة كاليلو ، ثم إهانة باروخ سبينوزا و اتهامه بالزندقة و الكفر بصحف موسى و رميه بالسفه ، إلى مختلف الحروب التي هدمت كرامة البشر ؛ تظل كثير من الأسئلة مستحقة للعرض في صميم ماهية حقوق الإنسان و هويتها الجوهرية ؛ من طينة :
كيف يمكن في ظل تاريخانية فكرة حقوق الإنسان الحرص على تجاوز أطروحة تلاشي الإنسان نفسه ؟ خاصة في زمن هيمنة التقنية و سلعنة البشر في سوق الرأسمالية المتوحشة ..
كيف يمكن الحديث عن حقوق الإنسان على قاعدة نزعة ضد إنسية و أخرى تاريخانية ؟ في كنف تسييس الحقوق و محاربة الإختلاف باسم نظيمة الحقوق عبر عدة انزياحات غير مضبوطة بمقياس الخير و الفضيلة ..
كيف يمكن تجويد تأويل معيارية فكرة الحقوق في ظل واقع فعلي يتجاوز فلسفة الحق نحو أدلجة تأويله لشرعنة نقيض الحقوق كممارسة تتيح كل انحرافات التسلط الطوطاليتاري ؛ لا بالمعنى الماكرو – سياسي كما توطده العولمة المتسلطة على رقاب مستضعفي الكوكب الأزرق ، بل وِفق طوطاليتاريات القبيلة / العشيرة / الباطريارك / الجندر / الوهم الجمعي / الأنا الأعلى الجمعي / المثل الزهدي الأعلى / المجال / التراتبية الترابية ..
كيف يمكن التأسيس مجددا لإعادة ترتيب التأويل لفكرة ” تاريخ العالم هو تاريخ محكمة العالم ” بمعيار عادل ، دون التهاوي إلى المتاجرة بالبشر في سوق الأعضاء البشرية التي تفضح زيف ادعاءات الحضارة الرأسمالية بصون قدسية الإنسان ..
و بمعنى ما ، رغم أن نظرية مكر العقل تتضمن نقدا جريئا للرؤية الأخلاقية للعالم ، فإنها تجرُّ معها أيضا نقدا موازيا لنظرية أخرى هي الرؤية الحقوقية للعالم . و أزعم أنه من خلال نوع من الممارسة المتماسكة للمرجعيات التيولوجية و الفلسفية و التاريخية و الحضارية و القانونية و السياسية و الأيديولوجية .. يجوز إخضاع التاريخ إلى سلطة حقوق الإنسان كأداة منهجية كفيلة بتجويد العيش المشترك وفق غائية التاريخانية من مدخل قدسية الإنسان و حرمة أدميته . و رغم هذا الحلم المستعصي فإن الجنوح نحو نمدجة تاريخ الوجود يصعب كثيرا أن يتلاءم مع شرعية خطاب حقوق الإنسان ، اللهم بالسقوط المبرح في النمودج الهيجلي من مدخل الفكرة المطلقة من موقع النظرة اللاتاريخية للتاريخ ؛ رغم قوة مشروعية المقاومة بالحيلة كما أكد جيمس سكوت ..
و حسبي إن الأهم هو إخضاع خطابات حقوق الإنسان ، لكثرتها رغم وحدة المرجعية ؛ نظريا منذ التاريخ المعاصر / الراهن على أقل تقدير ، لمِحك النقد وفق شروط النظرية العامة للسلطة .

