فارسة فلاتية بمستشفى ابن سينا تسحر القلوب
ساقتني الأقدار إلى مستشفى ابن سينا للقلب والشرايين. لأشهد بالصدفة على بذور قيم النبل التي ظننتها ذبلت واصفرت داخل حقول الإنسانية بأقسام المستشفيات العمومية، كنت أرافق أحد المرضى لإجراء فحوصات طبية، مستسلمة لساعات فصول من الانتظار ليس لي فيها إلا مشاهدة الأحداث عن بعد ، سيدة تقتحم الطابق الخامس مهرولة تسأل الممرضة في الاستقبال عن حالة زوجها ، يبدو الأمر فيه تعقيد، تطلب منها الممرضة الانتظار بباب قسم العناية المركزة ، دموعها تسيل شلالات ساخنة ، على وجنتيها المحمرتين ، تخرج الممرضة بعد دقائق كانت في حساب السيدة الزمني أعواما، لم تكد تكمل جملتها في ثواني حتى اختلط الدمع بأنين صوت مؤلم جدا ، تلاه عدم تماسك لتهوي في غيبوبة على الأرض ، مشهد حرك في صفوف المنتظرين أدوارهم مثلي مشاعر مضطربة ، اهتزت مع نبرات صراخ آلامها نبضات القلوب الآتية للعلاج ، هي مشاعر قوية الاثر علينا ، لكنها تبدوا أخف حمولة على المشتغلين بالقسم والذين تطبعوا على هكذا مشاهد مؤلمة ، فجأة سمعت أنين صوت مبحوح بجانبي ، كانت فتاة عشرينية أكثرت من البكاء مرت نصف ساعة ولم تتوقف ، وضعت يدي على كتفها وقلت هذه سنة الحياة علينا الرضى بقضاء الله ، رحمات الله على روحه ، وكأنني أفضت كأس جرعة الامها ففاضت عيناها بدمع أكثر غزارة من ذي قبل ، فسألتها هل أنت المريضة ؟ قالت لا : أنا هنا من أجل والدي الخمسيني العمر و الذي أصيب بسرطان البنكرياس المتنقل، شهر فقط كان كفيل بتقطيع يديه وساقيه لتخثر الدم وموت العروق ، تضيف بصوت مخنوق هم أدخلوه لغرفة العمليات ، وكان قراري خاطى، سيموت أبي لامحالة في هذه العملية أعلم ذالك لأن حالته منتهية ، وكان بإمكاني اتخاذ قرار رفض العملية وضمان بقاءه معنا على الاقل شهر آخر ، لكن رجله تزداد تورما و آلامه فضيعة ، بكيت حرقة مع هذه الشابة فقد تذوقت من نفس الكأس ذات يوم مع محن المستشفيات بمرض والدي رحمات الله الواسعة على روحه ، فجأة دخلت سيدة ترتدي معطفا بنيا و وشاحا به تموجات بنية رمادية ، توجهت نحو رجل عجوز في كرسيه تسأله عن حاله بهدوء وتجيبها إحدى بناته المرافقة له ، انحنت فوق كرسيه ورتبت على كتفه وهي تقول للممرضة خذي قياس تخطيط القلب للحاج ، علمت من حديث الإبنة المتوقعة أنها متبرعة من القرية جمعت له تبرعا من هنا وهناك لتأتي به من جبال أزيلال إلى الرباط ، طلبت منها أوراقه، ثم دخلت إلى القسم و عادت وهي تلبس معطف الأطباء ، سألت من تكون هذه الممرضة الإنسانية ؟ فقالت لي سيدة ستينية تجلس جنب الفتاة ، ستكونين من المحظوظات لو تيسر لك الكشف عند هذه الطبيبة هي ليست ممرضة بل هي البروفسورة الفلات أستاذة جامعية و رئيسة قسم أمراض القلب والشرايين هنا بمستشفى ابن سينا، كنت أراقب من بعيد حركاتها وطريقتها المتواضعة في الحديث مع طاقم التمريض ، تقف بكل أدب لتمنح فرصة الرد على التائهين في دروب آلام المعاناة ، بلهجة مغربية لا فرنسة فيها بسيطة يعرفها ذالك المعوز الفلاح القادم من أعالي الجبال.
مرت ساعة ونصف دخل فيها من رافقته لإجراء تخطيط القلب ، بينما كنت انتظر في شغف عساي أكون من المحظوظات لمقابلة هذه الطبيبة الإنسانة التي اخترقت بنبلها مشاعري قبل أن ألتقي بها. كنت أدعو بصمت دعاء بظهر الغيب لمن ربى هكذا نماذج إنسانية في مجتمعنا. وأنا اقارن جهد العطاء التربوي الذي منحه والد هذه الطبيبة لإنتاج هكذا حراك قيمي مجتمعي متحرك ، وبين حرقة صامتة على أحوال أب مكسور الخاطر أمامي ، يصطحب ابنته ربما للفحص ، تقريبا ساعة من الملاحظة ولا حرف نطقته ذات الشعر الأشقر وطلاء الأظافر الأزرق والجينز الممزق يمينا ويسارا ، لتملئ فراغ ملل الانتظار على والدها ، تارة تلعب في هاتفها ، وتارة تنام، دون إلقاء ولو نظرة على ملامح والدها الستيني المتعب بقهر خنق الكمامة و الأكثر خنقا ضغوطات حياة الزمن المابعد كوروني المعقد ، هناك شبه قطيعة نفسية تربوية إحساسية المشاعر بين الأب وابنته ، لدرجة أنني أحسست أنه سائقها ربما إلى حين أن نادت الممرضة على إسمها فقال نعم هي ابنتي….!!! جاء دورنا ، وكأن الله استجاب دعائي، أدخلتنا الممرضة غرفة كشف هذه الفارسة في ساحة الكرامة الإنسانية والانتصار لمصالح المرضى ومشاعر أسرهم المهزوزة. القيت التحية فردت بكل أدب ، ثم قالت للمرضة هذا المريض ضمن لائحة مرضاي ؟ هل أجريت له جراحة قسطرة قلبية ؟ قالت الممرضة: لا، أجابت الدكتورة ادخل لي ملف مرضاي إذن . أصبت بخيبة أمل في متعة اللقاء بهذا النموذج الجندي في ساحة هزائم الأمراض القلبية وكنت على يقين أن مفتاح ، جنديتها في سلامة قلبها الذي ينطق بمسكوت غير معلن ، فقلت لها دكتورة : -لك الأمر ولنا الالتزام ، لكن والله سعدت بهذه الهنيهة من لقاء مباشر بك. نستأذنك هممت بالخروج من غرفة الفحص ، قبل ان أصل إلى الباب ردت هات ملف المريض لأطلع عليه ، ياسلام كنت على يقين أن القيم النبيلة ستتغلب ، قبلت الكشف عن مريضي و أنالا أعرفها ، أعطتنا وقتا كافيا وجدا في الفحص بأسئلة تشخيصية دقيقة لم أشهدها إلا في مستشفيات أوربا ، دخلت عندها شابة متمرنة تحتاج لمراجع وإشراف لم يأخذ الأمر ثواني لتوقع لها الموافقة على البحث ، نهضت بخفة إلى خزانتها وهي تقول كنت قررت عدم الإشراف على البحوث لكثرة التزاماتي لكن خذي هذه تشخيصات ملف 2019 و 2020 ستفيدك في موضوع تخرجك. أعطتها خبرتها و أعطتنا خبرة قيم ناضجة افتقدناها لتحولنا إلى طبيبة أخرى لمباشرة نتائج التحاليل وكشف التخطيط والسكانير، قبل العودة إليها.
استغربت اتصالها لمتابعة خطواتنا عن بعد مع الدكتورة ، فهمت ذالك فقط من أجوبة الدكتورة نادية التي تتابع معنا أنها تجيبها عن حالة مريضنا ، يالله كل هذا الاهتمام و أنا لا أعرفها ولم يراسلني أحد بتوصية عندها !!!! ، خرجت من القسم ليخبرني شاب ثلاثيني موريتاني مسؤول عن أجهزة السكانير في الطابق الخامس . أن أخت الدكتورة فلات نادية باشرت تقريرها على ملف مريضنا. فقلت ماشاء الله من كنا معها أختها !! وهي تحمل نفس صفات النبل والتواضع في هذا القسم المكتظ بمرضى القلوب بحمولته المختلفة !!! قال: بل هما ماشاء الله أربع بنات للمرحوم الفلات كلهن في تخصص القلب و واحدة في الأشعة. كنت أراجع الملف قبل مغادرة المستشفى ، و أنا أحمد الله على وجود أمثال هكذا فارسات معركة الخيرية ببلادنا. رحم الله هذا الرجل الذي ربى في بناته قيم النبل والإحسان والخيرية قبل قيم المعرفة التي أوصلتهن إلى أعلى مراتب الاستحقاق العلمي المشرف في بلدنا .أن ترأس سيدة قسم أمراض القلب والشرايين بأكبر مستشفى جامعي بالمغرب .لهو جهد استثنائي وعبئ كبير ومعاناة متواصلة، أوصل هذه المغربية الفلاتية إلى هذا المنصب الذي يشرفنا ويرفع رؤوسنا عاليا حين الحديث عن نجاحات وإنجازات المرأة المغربية، وهو تشريف لطاقمها الطبي الذي ترأسه يحتاج دعمه من وزارة الصحة برعاية وحماية نفسية ومعنوية كثروة وطنية، تستحق أوسمة التميز ، وثقافة اعتراف تنقصنا نحن النخب بتجنيد أقلامنا في حق نساء ورجال الوطن ، إحياء للذاكرة القيمية الوطنية لأجيالنا والتي رسم لها إعلام الاسترزاق بشهرة على مقاس مأجور، خطا آخر أغرق فيه العقول بتقنية تفاهات محو ذاكرة الفعل والإنجاز ، لتعوض بمشاهير فرجة لا لون ولا طعم لها ، سوى أنها تحصد ملايين المتابعين بفكاهة” أصوات تخرج من أفواه بلا أسنان ” غبية المعنى وساقطة القيم ….# مشاهدات فصول من لحظات بين مرضى القلب

