طلوع عبدالإله يفكك مفاتيح القرار الأممي حول الصحراء المغربية: بين الفصل السادس والواقعية الدبلوماسية
في خضم الجدل الدولي حول القرار الأممي الأخير بشأن الصحراء المغربية، برزت مرة أخرى الأسئلة الجوهرية حول الإطار القانوني والسياسي الذي يصدر فيه مجلس الأمن قراراته، وما إذا كانت هذه القرارات ملزمة أم مجرد دعوات للتفاوض.
الباحث في العلوم السياسية طلوع عبدالإله يفكك خيوط هذا القرار، مبرزاً أن الفهم الدقيق للفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة هو المدخل الأساس لتقدير طبيعة الموقف الدولي من هذا النزاع الإقليمي.
يؤكد طلوع أن مجلس الأمن لم يتعامل مع قضية الصحراء المغربية أبداً على أساس الفصل السابع، الذي يتيح فرض العقوبات أو حتى استخدام القوة العسكرية، بل ظلّ يدرجها ضمن الفصل السادس، أي في إطار تسوية النزاعات بالطرق السلمية.
هذا المعطى القانوني، بحسب طلوع، ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو جوهر الموقف الأممي الذي يعترف بأن النزاع سياسي في الأصل، وأن حله لن يكون إلا عبر المفاوضات والتفاهمات، لا عبر الإكراه أو الحرب.
وفي تحليله للقرار الأخير، يوضح طلوع أن مجلس الأمن جدد ولاية بعثة المينورسو لسنة جديدة، مؤكداً في الوقت نفسه على الحكم الذاتي كإطار واقعي وعملي للتفاوض. بمعنى أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع المبادرة المغربية كنقطة انطلاق وليس كنقطة نقاش، وأن من يرفضها يعزل نفسه دبلوماسياً لا محالة. فقرارات المجلس المتتالية منذ 2007 تسير في اتجاه واحد: تشجيع الحل السياسي الواقعي القائم على التوافق، وليس العودة إلى الماضي أو فرض الاستفتاء الذي تجاوزه الزمن والمؤسسات الدولية نفسها.
أما في حال رفض أحد الأطراف الانخراط في هذه الدينامية، يشرح طلوع أن مجلس الأمن لا يلجأ إلى العقوبات أو القوة، لأن الفصل السادس لا يخول ذلك، بل يعتمد أسلوب الضغط الدبلوماسي والسياسي المتدرج، عبر تمديد المهلات، وإصدار قرارات متتالية تعيد التأكيد على نفس المرجعية. وهنا يبرز ما يسميه طلوع بـ “القوة الهادئة للقانون الدولي”، التي لا تُمارس بالسلاح بل بالاعتراف المتراكم والشرعية الواقعية.
ويرى طلوع أن المغرب لم يعد في حاجة إلى قرارات قسرية لفرض سيادته، لأنه فعلياً يطبق نموذجاً من الشرعية الميدانية المستندة إلى مشروعية تاريخية وسياسية. فمنذ المسيرة الخضراء التي ابتكرها الراحل الحسن الثاني كأداة سلمية لاسترجاع الأقاليم الجنوبية، إلى مرحلة التمكين المؤسساتي والاقتصادي التي يقودها الملك محمد السادس، استطاع المغرب أن يحوّل الصحراء من ملف نزاع إلى ورشة تنمية متكاملة.
اليوم، يشير طلوع إلى أن أكثر من مئة دولة أعلنت دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي، فيما فتحت أزيد من ثلاثين قنصلية عامة في العيون والداخلة، في رسالة دبلوماسية واضحة تؤكد اعترافاً دولياً فعلياً بالسيادة المغربية. هذا التراكم السياسي، حسب تعبيره، جعل المقاربة المغربية تتفوق بالواقع لا بالشعارات، وتجعل الطرف الآخر يزداد انعزالاً أمام العالم.
ويضيف طلوع أن العزلة الدبلوماسية أصبحت اليوم أقوى من أي عقوبة اقتصادية أو تهديد عسكري، لأن منطق الأمم المتحدة تغيّر: فهي لا تعاقب الدول المستقرة والمبادرة، بل تضغط على الأطراف المعرقلة لمسار السلم والتنمية. من هنا، فكل طرف يرفض التفاوض على أساس الحكم الذاتي إنما يضع نفسه خارج السياق الأممي.
ويختم الباحث تحليله بالتأكيد أن القرار الأممي الأخير ليس مجرد وثيقة تقنية أو إدارية، بل هو ترسيم جديد لمعادلة الشرعية الدولية في المنطقة، حيث بات واضحاً أن الحل السياسي الواقعي هو الوحيد الممكن، وأن المغرب بحكم التاريخ والميدان والدبلوماسية أثبت أنه الفاعل الجاد والمسؤول.
فكما يقول طلوع: “في زمن القرارات الأممية، لا ينتصر من يصرخ أكثر، بل من يبني أكثر، ويقنع أكثر، ويصمد أكثر.”

