سكت العثماني وتكلم بنكيران
شهد العالم خلال هدا الأسبوع أحداثا مهمة واستثنائية، تتمثل في اعتراف أمريكا بالسيادة المغربية على الصحراء وهو حدث تاريخي غير مسبوق، من دولة تعتبر الأقوى في العالم، و وقع المغرب اتفاقية تطبيع مع إسرائيل، وذلك بافتتاح المغرب لعلاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، الحدث الأول يعتبر نصر تاريخي للقضية الوطنية، وهو أولا اعتراف وثانيا هو رد جميل على اعتبار أن المغرب هو أول دولة تعترف بأمريكا قبل ما يزيد عن قرنين من الزمن، أما الحدث الثاني فهو استثنائي لأنه تم في عهد حكومة يترأسها حزب دو مرجعية إسلامية كان دائما ضد التطبيع والمطبعين.
الحدث الذي أثار نقاشا أكبر، كان توقيع رئيس الحكومة على اتفاقية التطبيع وما تبعه من غضب عارم داخل الحزب الذي طالما قاد المسيرات في شوارع الرباط والبيضاء وباقي شوارع المغرب، تنديدا بأفعال إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، بعد كل حدث يقتل فيه الأطفال والشيوخ، وتغتصب فيه الأراضي من طرف الكيان الصهيوني.
مواقف الحزب القائد للحكومة كانت متفاوتة، دراعه الدعوي كان رافضا للتطبيع، معتبرا أن التطبيع مع إسرائيل يعتبر تراجعا واختراق صهيوني، لكن رغم تنديد إخوان العثماني بالتطبيع إلا أن بلاغ الأمانة العامة للحزب جاء منسجما مع ما قامت به الدولة المغربية، وداعما للقرارات الملكية، هذا القرار موقع بطبيعة الحال من طرف العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، وليس العثماني رئيس الحكومة، لكن العصا التي قسمت ظهر العثماني وأظهرته في حالة خنوع، كانت لحظة توقيع اتفاقية التطبيع مع الجانب الإسرائيلي، لأن العثماني كان من بين أشد المدافعين على القضية الفلسطينية، ومن المنددين بالتطبيع مع إسرائيل، والفيديوهات الموجودة في الشبكة العنكبوتية خير دليل على ذلك، وليس العثماني وحده من كان متشبثا بعدم التطبيع بل إن كل أطياف الحزب كانت ولازال أغلبها يندد بالتطبيع مع إسرائيل، وأخرها خروج وزير في الحكومة، أعتُبِر تعيينه في الحكومة معجزة من معجزات الزمان، (خرج) بجلباب شبيبة الحزب ليندد بالتطبيع في قناة إيرانية، ولا نستبعد أن نراه مستقبلا بلباس الحكومة وهو يوقع على اتفاقية تعاون وشراكة في مجال التشغيل مع نظيره الإسرائيلي، والحقيقة أن ازدواجية الخطاب هاته ليست الأولى فقد سبقتها قضية الضمان الاجتماعي التي يعرفها الجميع، لان بعض أعضاء الحزب الذي يترأس الحكومة يستعير لكل حدث لباسه والأجدر للوزير أن يقدم استقالته إن لم يرضى بما قامت به الحكومة التي يعتبر عضوا فيها.
ظهور رئيس الحكومة وهو يوقع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل، عدوة الأمس شريكة اليوم، لم يكن موقف كل أعضاء الحزب، حيث عبر البعض على الاصطفاف وراء قرارات الملك، فيما دعا البعض الآخر إلى الخروج من الحكومة والاكتفاء بالمساندة النقدية، عن طريق فك ارتباط الحزب بالحكومة وتكليف نائب الأمين العام بتسيير شؤون الحزب، كحل للاستمرار في مواجهة التطبيع، فيما توارى رئيس الحكومة والأمين العام للحزب، وابتلع لسانه ساكتا مختنقا، غير قادر على التعبير أو التعليق على الواقعة.
سكوت العثماني عوضه خروج عبد الإله بنكيران الأمين العام السابق ورئيس الحكومة السابق، مدافعا عن خلفه، حيث أكد أن حزب العدالة والتنمية جاء في مرحلة الربيع العربي، ليلعب دور الإطفائي لحل المشاكل، وإخراج المغرب من تداعيات الربيع العربي الذي عصف ببلدان أخرى، معتبرا أن الحزب ساند المؤسسة الملكية وسيستمر في ذلك مؤكدا أن المؤسسة الملكية هي أساس استقرار المغرب، وبدونها سيكون المغرب مجرد دويلات لا رأس لها.
حديث بنكيران جاء مدافعا عن زميله السابق وغريمه في الحزب وبديله في الحكومة، معتبرا أن موقف العثماني جاء منسجما مع ما يقع، ولم يكن ليغاير ما يقع حوله من مستجدات تعتبر مصيرية بالنسبة للمغرب، مؤكدا أن الحزب ليس عليه أن يناقض قرار التطبيع، رغم عدم رضا أغلبية الأعضاء، الذين لم يتقبلوا موقف العثماني، ودعا بنكيران إلى الانتظار إلى حين عقد مؤتمر استثنائي والسماع لرأي العثماني وتقدير موقفه، تم اتخاذ القرار بعد ذلك سواء كان الخروج من الحكومة أو الاستمرار فيها، لكن مع ضرورة تجاوز هذه الظرفية الحساسة.
وقال بنكيران أنه لا يجب على أعضاء الحزب الضغط على العثماني للخروج من الحكومة، وعدم إزاحته من الأمانة العامة للحزب، احتراما لظرفية التي يعيشها المغرب.
حديث بنكيران هذا كان موجا للجبهة الداخلية للحزب لكنه لا يستثني باقي الفعاليات السياسية من هذا الخطاب، فهل كان خروجه خروج الإطفائي كما وقع في مرحلة الربيع العربي، ليلعب بذلك نفس الأدوار السياسية بالنسبة للدولة، وفي نفس الوقت يمرر رسائله للجميع، مساهما في التخفيف على العثماني الذي يعيش حالة اختناق داخلية، ولا يملك القدرة على التعبير، فيكون بذلك بنكيران أكد للداخل والخارج أن دوره السياسي لا يمكن أن يلعبه غيره.
فمتى سيتكلم العثماني ليوضح موقفه الحقيقي من التطبيع، سواء لأعضاء حزبه أو لجميع المغاربة، وحتى المتتبعين على مستوى العالم.

