سطات… مدينة القوة النائمة بين رهان الرؤية ومخاوف التكرار
بقلم: د. محمد دلوادي
في زمن تتكاثر فيه الملتقيات وتكثر فيه الخطابات، يصبح من المشروع، بل من الواجب، أن نتوقف عند حدود الرؤية وجدوى اللقاء، وأن نطرح السؤال الصعب: هل نحن أمام منعطف تاريخي حقيقي لمدينة سطات، أم مجرد محطة أخرى في قطار الكلام المؤجل؟
لا أحد يمكنه إنكار أن سطات تزخر بخيرة الخبراء، والسياسيين، وأصحاب الرأي السديد، ممن يحملون همّ المدينة ويؤمنون بإمكانات تحولها في أفق ربع قرن إلى قطب حضري جديد، بسكان من جيل مختلف، وبمعمار حديث، وبمجال فلاحي متجدد يضع الأمن الغذائي في صلب التنمية، إضافة إلى صناعات رقمية واعدة، تستمد روحها من الجامعة وشبابها ومن الإبداع التكنولوجي الذي ظل، إلى اليوم، حبيس الإمكان لا الفعل.
الرؤية التي تُرسم لسطات ليست خيالية في ذاتها. فالرهان على استقطاب الاستثمار الخارجي عبر أبناء المدينة الفاعلين في المهجر رهان واقعي، كما أن الحديث عن تحويل سطات إلى قبلة للأقطاب المالية والتجارية يجد ما يسنده نظرياً في وجود بنيات كبرى ما تزال في وضع “الانتظار”: مركب DETEMA النائم، Technopark الذي لم يولد بعد، وLogintec الذي ما يزال واقفاً عند عتبة الوعد.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن سطات، رغم هذا الرصيد، فقدت خلال العقود الأخيرة جزءا كبيرا من مكانتها الاقتصادية والإدارية داخل الشاوية، وأصبحت عالقة بين ضغط برشيد القريب من الدار البيضاء، المركز الجهوي القوي، وبين بنكرير المستفيدة من محيط مراكش ومن دينامية OCP. هذا الوضع الوسطي لم يكن نعمة، بل تحوّل إلى منطقة رمادية عطّلت القرار، وشتّت الأولويات.
ومع ذلك، فإن سطات ليست أرضاً بلا ذاكرة ولا إنسان. مجالها ليس طارئاً، وساكنتها ليست عابرة. إنها مدينة راكمت وعياً جماعياً، وثقافة متنوعة ومتحررة، جعلت منها، بحق، “قوة نائمة”، بل شجرة تخفي وراءها غابة من الطاقات البشرية والمعرفية، القادرة على أخذ زمام التنمية من داخل المجال، دون الارتهان لهجرة الأدمغة والسواعد.
لكن أي حديث عن الإقلاع يبقى ناقصاً إذا لم يُدمج ضمن تخطيط تنموي متكامل، يستحضر البعد السياحي، والرياضي، والصحي. فسطات، وباعتراف الجميع، لم تنل نصيبها العادل من استثمارات كأس العالم 2030، سواء على مستوى الملاعب، أو الفنادق، أو الطرق، أو البنيات التحتية المرافقة، وهو ما يطرح سؤال العدالة المجالية، لا من باب التباكي، بل من زاوية الإنصاف والنجاعة.
إن إقليم سطات، بمجاله الواسع، وغناه البشري، وأراضيه الخصبة، وثقافته التاريخية، كان وسيظل محطة اهتمام لكل قوة اقتصادية تبحث عن الإنتاج والاستثمار. غير أن التاريخ علمنا أن الاهتمام الخارجي لا يكفي، إذا لم يُترجم بإرادة محلية واضحة، وحكامة فعلية، وربط حقيقي بين الرؤية والتنفيذ.
من هنا، يصبح السؤال الجوهري مشروعاً: هل نحن أمام رؤية صائبة قادرة على إنقاذ ما توقف منذ ربع قرن؟ أم أننا أمام لقاء “لا بد منه”، يُضاف إلى أرشيف النوايا الحسنة دون أثر ملموس؟
الجواب لن يكون في بلاغ ختامي، ولا في صورة جماعية، بل في قدرة الفاعلين على كسر حلقة الانتظار، وتحويل سطات من موضوع للنقاش إلى ذات فاعلة في التنمية. حينها فقط، يمكن القول إن المدينة استيقظت من سباتها الطويل، وإن القوة النائمة قررت أخيراً أن تتحرك.

