“سبيطار الرية” بين الإهمال والمطالبة الوزارية.. ابن أحمد تنتظر الإنقاذ

“سبيطار الرية” بين الإهمال والمطالبة الوزارية.. ابن أحمد تنتظر الإنقاذ
بقلم سعيد حفيظي:

على بعد ستين كيلومتراً شرق مدينة سطات، تقف بناية ضخمة وسط مدينة ابن أحمد كأثر منسي لمعلمة صحية بصمت تاريخ الطب في المغرب، إنها مستشفى الأمراض الصدرية الذي تعرفه الساكنة باسم “سبيطار الرية”. المكان الذي كان إلى حدود بداية الألفية الثالثة قبلة للمرضى من مختلف ربوع المملكة وحتى من خارجها، تحول اليوم إلى أطلال مهجورة تنخرها الأزبال وتغزوها القطعان، في مشهد يثير أسئلة موجعة حول مصير الصحة العمومية وإهمال البنيات التاريخية.

المستشفى الذي شيده الفرنسيون سنة 1941 وافتتح أبوابه للمرضى سنة 1945 على مساحة تجاوزت 3400 متر مربع، كان مجهزاً بطاقة استيعابية بلغت ثمانين سريراً موزعة على أربعة طوابق، ويؤطره أكثر من أربعة وعشرين عنصراً من أطباء وممرضين وإداريين. وقد استند المستعمر الفرنسي في اختياره لمكانه إلى الخصائص المناخية الفريدة لمدينة ابن أحمد وما يميزها من “ميكروكليما” وهواء نقي وأشجار صنوبر باسقة تساعد على علاج أمراض الصدر والتنفس. بهذه المقومات تحول المستشفى إلى وجهة علاجية دولية، وأسهم في إشعاع المدينة وخلق رواج اقتصادي لتجارها ومهنييها.

لكن هذا الصرح الصحي عرف منعطفاً حاسماً سنة 2004، حين أعلنت وزارة الصحة إغلاقه نهائياً. القرار بُرِّر آنذاك بتقارير تقنية اعتبرت البناية غير صالحة للاستغلال بسبب تهالك سقفها وتآكل بنيتها، إضافة إلى تغير الإستراتيجية الدولية لمكافحة داء السل التي أصبحت تعتمد على التتبع العلاجي المنزلي عوض الاستشفاء الطويل بالمصحات. غير أن هذا الإغلاق كان بمثابة صدمة للساكنة التي فقدت معه مؤسسة قائمة بذاتها، وأحست بالتهميش بعدما وجدت نفسها مجبرة على التنقل إلى سطات أو الدار البيضاء لتلقي العلاج.

منذ ذلك الحين، ظلت الأصوات الجمعوية ترتفع للمطالبة بإعادة الاعتبار للمستشفى أو على الأقل استغلال فضائه في مشاريع تعود بالنفع العام. فهناك من دعا إلى تحويله إلى نواة جامعية تابعة لجامعة الحسن الأول بسطات لتخفيف الضغط عنها وتقريب التعليم العالي من أبناء المنطقة، وهناك من رأى في الفضاء موقعاً مثالياً لإحداث مؤسسة لتكوين الأطر الصحية لسد الخصاص المهول في الموارد البشرية. كما طرحت فكرة تحويله إلى مركز جهوي لتشخيص ومعالجة السرطان تابع للمؤسسة التي تشرف عليها الأميرة للاسلمى، لكن هذه المقترحات بقيت مجرد وعود حبيسة الأدراج لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

اليوم، ومع استمرار الوضع الكارثي للمستشفى ومحيطه، حيث الأبواب مخلعة والنوافذ مكسرة والأسرّة متلاشية، يجد شباب المدينة في هذا الفضاء ملعباً لممارسة الرياضة أو ممراً مختصراً إلى أحيائهم، فيما يستغله المتشردون والرعاة على حد سواء. كل ذلك يعكس غياب أي تصور رسمي جاد لمستقبل العقار الذي ما يزال تحت وصاية وزارة الصحة، دون أن تحدد لحد الساعة خطته لإعادة التوظيف.

أمام هذا الواقع، يجدد سكان ابن أحمد ومعهم جمعيات المجتمع المدني مطالبهم بتدخل مباشر من وزير الصحة والحماية الاجتماعية، عبر القيام بزيارة ميدانية للوقوف على حجم الإهمال الذي طال هذه المعلمة، والعمل على إطلاق مشروع حقيقي يعيد إليها مكانتها التاريخية ودورها التنموي. فالمستشفى لم يكن مجرد بناية طبية، بل كان جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها الجماعية، وإحياؤه اليوم يمثل استثماراً في العدالة المجالية وإنصافاً لساكنة طالها التهميش لعقود.

ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل ستبادر الوزارة الوصية إلى إنقاذ “سبيطار الرية” وإخراجه من دائرة النسيان، أم سيظل شاهداً صامتاً على زمن مضى، تاركاً خلفه جرحاً مفتوحاً في وجدان سكان ابن أحمد؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *