سؤال “التطبيع”مع إسرائيل،هل هو سؤال سياسي أم سؤال أخلاقي ؟
إذا كان السؤال سؤالا سياسيا ،فإن نقد الأمور من وجهة نظر سياسية يقتضي منا أن نقول ، كل فكر فكر يعبر عن مصلحة ،و المصلحة في حقل السياسة مشروعة ما دامت تخدم على التوالي استراتيجيات معينة،و السياسة تفهم بالمعنى النسبي لا المطلق أي كل شيء قابل للتطوير و التطويع ،وكذلك من حق كل إنسان أن يعبر عن مصلحته و يدافع عنها انطلاقا من الموقع الذي يحتله في ماكينة الصراع وتبعا لموازين القوى، ولا وجود للسياسة خارج نطاق المصلحة،و المصلحة تقتضي القدرة على التفاوض و المناورة لكسب الرهان . إن الوجود الإنساني ينبني على هذا الأساس وهذا جوهره منذ أقدم العصور .
أما إن كان السؤال سؤالا أخلاقيا من حيث المنطلق ،فاسمح لي أن أقول لك عليك مغادرة معترك السياسة فورا وتبحث لك عن موقع آخر لممارسة الورع و التقوى دفاعا عن مقدساتك والأصنام التي تعبدها، حينها سنحترم منطلقاتك وتصوراتك بكل رباطة الجأش ،أما وأنت تخلط هذا بذاك وتصر على الإنغماس في السياسة بما هي مصالح بخلفية أخلاقوية ،فإنك بكل بساطة ستتحول إلى كائن ممسوخ و منافق يقول عكس ما يفعل ويمارس الوصاية والحجر على الاخرين باسم الحقائق المطلقة تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم الهوية.. ،حينها فقط ستصبح أضحوكة أمام أنظار العالم بسبب أفكارك المتكلسة التي تأبى أن تتهشم أمام معاول الهدم .و هذا هو المأزق الذي سقط فيه حزب العدالة والتنمية وبعض رفاقنا من عبدة اليسار المشرقي.
ولكي أأكد لكم أن السياسة مصالح إليكم بعض المعطيات التي تخص بعض الدول المحسوبة إما على التيار الإسلامي او التيارات ذات مرجعية يسارية :
- تركيا الإخوانية تربطها علاقات مباشرة مع إسرائيل منذ سنة 1949 وهي وتعتبر سادس شريك تجاري لإسرائيل برقم معاملات سنوي يبلغ حوالي 6 مليار دولار ،وازدادت هذه العلاقات توطدا مع صعود حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان سنة 2002
_ روسيا الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي تربطها علاقات دبلوماسية مباشرة مع تل أبيب و يبلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين حوالي 3مليار دولار ،وتربطهما علاقات تعاون وطيدة في جميع المجالات بما فيها الجانب الأمني و العسكري.
_ الصين التي يحكمها حزب شيوعي بسياسة ليبرالية يبلغ حجم المبادلات التجارية مع إسرائيل حوالي 12 مليار دولار وتربط البلدين علاقات دبلوماسية رفيعة وصلت إلى حد تبادل الزيارات بينهما وتوقيع اتفاقيات عديدة بما فيها الجانب الأمني و العسكري.
_ فلسطين المعنية رقم واحد بالموضوع تعترف بشكل رسمي بدولة إسرائيل بموجب اتفاقية أوسلو التي وقعها كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين و رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، و حسب الاحصائيات يبلغ عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل حوالي مليون و نصف مليون شخص ، أما العمالة الفلسطينية التي تنتقل يوميا من الضفة الغربية وقطاع غزة للعمل بإسرائيل فتبلغ حوالي 130 ألف عامل هذا دون احتساب العمال الذين يعملون بدون تصاريح .
في الاخير دعني أقول الحقيقة التالية التي ترعبنا :
تركية الإخوانية استوعبت منطق التاريخ وسايرته في حركيته لتحقيق غايات الشعب التركي و جعله يعيش في ظروف ملائمة تحفظ كرامته الإنسانية، لهذا تبحث عن مصلحتها أينما كانت بمنطق برغماتي صرف بدون أي خجل لأنها تمارس السياسة وفق قواعدها ولا تمارس التقية ،وبالمقابل باعت الوهم للآخر الساذج البعيد جغرافيا باسم قومية مزعومة . نفس الشيء ينطبق على روسيا و الصين الشعبية اللتين أدركتا مغزى السياسة وفطنتا أن لينين وماو تسي تونغ ماتوا ويجب الاستمرار وفق معطيات الواقع الجديد بكل جرأة ،انظروا إلى اقتصاداتهم كيف هي اليوم وكيف استطاعوا التطبيع حتى مع النقيض الإيديولوجي النظام الرأسمالي فقط من أجل تحقيق رفاهية شعوبهم .أما نحن و الحالة هذه في هذه البقعة الجغرافية قدرنا أن نظل نعيش في مستنقع السلفية، ولا فرق هنا بين سلفية إسلامية تمجد الماضي وتحتقر الحاضر وبين سلفية يسراويةتحفظ و تقدس النصوص أكثر ما تفكر .و لا يسعني كمتشبع بالثقافة اليسارية و غيور على هذا الفكر الحر سوى أن أختم بما قاله سلفاوي جيجيك لعلنا ننظر إلى عوراتنا حتى نفزع من حجم الفضيحة التي نحن فيها:
“علينا كيساريين ،بدلا من أن نندب الرأسمالية العالمية و الأشكال الجديدة من الفاشية ،أن نسأل أنفسنا بجدية : ما الذي لدينا اليوم لنقدمه ؟هل لدينا بديل ؟وكيف يمكن أن نطبقه؟”

