رائحة الموت

رائحة الموت
بقلم: فؤاد الجعيدي

لم يسبق لي أن رأيت الناس، قد استأنسوا بالموت، مثلما يحدث الآن. في كل محطات النهار، يطالعني هاتفي المحمول، عن رفاق قدامى قضوا نحبهم، في صمت عابر.. الرفاق القدامي يرحلون، الواحد بعد الآخر في صفقة تجارية كبرى بين أقوياء العالم، الذين جندوا كل وسائل الإعلام ليقنعونا بمزيد من الإقبال على مواد التعقيم والكمامات ومزيد من التباعد الاجتماعي.
رأيت الأبناء ينفرون أباهم والأخوات والإخوة، يضعون مسافات بين آخيهم ويجهشون بكل لغات النفاق الاجتماعي عن الود والمحبة وروابط الدم الكاذب.
لم تعد لي القوة على الاحتمال. كوفيد 19،يعري ويغطي، يمر بين الناس كطيف، يخطف أجمل ما تبقى فينا من دفء قديم، للسمر على كؤوس الشاي وصحن المائدة، الذي تختلط فيه أصابع الصغار والكبار، ولا أحد منا يتجرأ على الاقتراب من لحمة طازجة، نراقب توزيعها في نهاية جولة المرق الأحمر المبلل بنقط زيت الزيتون، نراقب ونترقب كالقطط نزول الشنتيفة بمربع كل واحد منا.
محلات الماك دونالز، أفسدت علينا النعمة ورائحة الجلسات القديمة، حيث الأسطورة وكل أكاذيب الدنيا ،كنا نجد فيها متعة النشوة والفرح و الخوف الخفي والصمت البليغ. في حكايات الغول وهينة والملك ذي يزن
صار للسندويتش سلطة، تعمل على إبادة ما تبقى في الذاكرة، من رائحة توابل الفلفل الطري والزنجبيل والكامون والابزار والملح والزيتون والبطاطا.. صارت الوجبة تحمل داخل أكياس من ورق وعلامة تجارية.
وضاعت منا لحظات التسلل إلى المطبخ وتعرية الطنجرة، التي تفوح منها رائحة استواء البصل والطماطم وقبضة البقدونس، فنصير قراصنة صغار، لدس الخبز الأسم،ر لليلة قديمة في المرق ثم نجري نحو سطح البيت نخفي تلذذنا العظيم بالذوق والسرقة.
الأشياء الصغيرة والقديمة، لم نحسن الاحتفاظ بها كهواة النقود والطوابع.
صار الزمان بلاستيكيا، بلا عنوان وبلا إنسانية.
وصرنا كوفيديون. الكوفيدي لا ذوق له، ولا رائحة له، ومن فقد حاستي الذوق والشم، لم يعد إنسانا يستحق الاستمرار في الحياة. مثل هؤلاء الذين يقبلون بلا شهوة على سندويتشات ماك السريعة.
بات الناس يقفون في خطوط تماس، ولا يتسألون عما الذي حدث؟ ينتظرون دورهم أمام جهاز آلي، يرسم رغبات بالصور والكلام الجاهز. يضغطون على الأزرار، وينالون في النهاية توليفتهم على قطعة من ورق صغير شفاف هي الطلبية.
في طابور آخر ينتظرون تصريف الطلبية عند شبان قاسمهم المشركة وسامة تجارية، مغلفة في ألبسة متشابهة، لفريق العمل الذي وضع رهن إشارة الناس. هذه الرؤوس المتعبة بدوامة الحياة الجديدة لم تعد لها منذ زمان حرية الاختيار كما ألفناها.
الكوفيديون، ادخلوا رقعة ضيقة، وباتت القناعة بينهم أن يتباعدوا اجتماعيا. ويمقتون التعايش عن قرب. ويحسمون في أمور الزيارات العائلية المتبادلة، كل واحد منهم يحكم إغلاق غرفته ويوصي أبناءه على مزيد من الابتعاد وعلى مزيد من النفور.
لكن اجتماعيا نتظاهر، عبر الهواتف الذكية المحمولة، أننا لا زلنا نحتفظ بالود القديم وبالمحبة ونتباكى بسخاء، لنقنع غيرنا أن لا شيء تغير في هذا العالم ونبحث في كل قواميس الدنيا على مبررات واهية لا تنطق بحقائقنا. لنقول لبعضنا البعض أن العالم بخير. لكن في العمق كل واحد منا يدرك حقيقة والوضع الذي نوجد فيه وليس له القدرة للبوح بالحقيقة.
لا أحد منا يرضى لنفسه أن يكون منافقا، لكن نتفق جميعا لنكون منافقون جدد في عالم لم يبق لنا مساحة ولا مسافة لنتمتع بحرياتنا وباستقلاليتنا.
لكن اليوم أمرنا ينفضح، لم تعد لنا جنازات، نحترم فيها موتانا، ونحتفل بالعزاء، كما ينبغي ويجب، في حق من عاشوا بيننا، لم نعد نصر على انتزاع الحق، في السير وراء الجنازات، بخشوعنا الإنساني ونردد تراتيل جميلة ( مولانا نسعاو رضاك وعلى بابك واقفين لم يرحم سواك يا أرحم الراحمين )
لم يعد لنا حضورا جماعيا، في النزول بجثثنا إلى قبو الأرض الرحيم، والعودة إلى بيوت موتانا، لنعيد سير تمجيد مرورهم من هنا وهناك ونقول فيهم قولا جميلا.
صرنا منافقون طيبون، مثل كوفيد 19الذي يضرب ويخطئ، مثل أعمى القصص القديمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *