رئيس المحكمة الدستورية: موظف سامٍ في هرم القضاء، أم رمز لوحدة الشرعية في بعدها التاريخي والدستوري؟

رئيس المحكمة الدستورية: موظف سامٍ في هرم القضاء، أم رمز لوحدة الشرعية في بعدها التاريخي والدستوري؟

الدكتور المصطفى قاسمي

استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية 

رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

يشهد المغرب منذ إقرار دستور 2011 مرحلة جديدة في مسار تطوره الدستوري، تتسم بتداخل معقد بين التحديث السياسي واستمرارية النسق الملكي. في هذا السياق، برزت المحكمة الدستورية كمؤسسة محورية في ضبط التوازن بين السلط، غير أن دور رئيسها ظل موضوعًا لم يُحلَّل بعد بعمق فلسفي ومؤسساتي.

إذ تُطرح هنا إشكالية جوهرية:

هل رئيس المحكمة الدستورية مجرد حارس للنصوص القانونية، أم أنه حارس للملكية الدستورية المغربية بما تمثله من شرعية تاريخية وسيادية، مهددة أحيانًا بشوائب الحداثة القانونية المستوردة؟

أليس رئيس المحكمة الدستورية هو الحارس الحقيقي للملكية الدستورية المغربية، قبل أن يكون حارسًا للنصوص القانونية للدستور؟

 ألا يتجاوز دوره، في السياق المغربي، المفهوم التقليدي للرقابة القانونية، ليُجسّد ما وصفه Hans Kelsen بـ«الوظيفة السياسية السامية للقضاء الدستوري»، أي حماية النظام السياسي في كليته

         ألا يُلقى على عاتق رئيس المحكمة الدستورية عبء مضاعف، يتمثل في السهر على احترام الدستور من جهة، وضمان الانسجام بين بنيته القانونية والهوية المؤسسية للمملكة من جهة أخرى؟

 تلك الهوية التي تجعل من الملكية محور التوازن بين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية؟

تنبع أهمية هذه الاسئلة من خصوصية التجربة المغربية التي لا تقوم على ثنائية الفصل بين السلطات فحسب، بل على تكامل السلط تحت السيادة الملكية بوصفها أصل الشرعية وضمانة استمراريتها .أ

ولا : من الوظيفة القانونية إلى الحراسة الفكرية للدستور

ينص الفصل 132 من دستور المملكة المغربية على أن المحكمة الدستورية تسهر على احترام الدستور وصحة انتخاب أعضاء البرلمان، وأنها تبت في دستورية القوانين قبل صدورها.

غير أن هذا “السهر” لا يُختزل في الرقابة القانونية الشكلية، بل يتسع ليشمل وظيفة فكرية عليا تتمثل في حماية فلسفة النظام الدستوري ذاته (Kelsen, 1962).

وفي السياق المغربي، فإن هذه الفلسفة ترتكز على مبدأين متلازمين:

 1. استمرارية الملكية الدستورية كإطار ضامن للوحدة والسيادة.

 2. انفتاح النظام السياسي على مقتضيات التحديث الديمقراطي.

وبذلك يصبح رئيس المحكمة الدستورية ليس فقط قاضيًا على النصوص، بل مؤتمنًا على روح الدستور المغربي التي تجمع بين الثابت والمتغير، بين المرجعية الدينية والحداثة القانونية.

إن دولة القانون في المغرب لم تُبنَ على منطق القطيعة، بل على منطق التراكم في ظل ملكية دستورية تمثل الإطار الضامن لكل إصلاح ديمقراطي

ثانيا: رئاسة المحكمة الدستورية: قيادة فكرية لا إدارة إجرائية

يتمثل دور رئيس المحكمة الدستورية، في المفهوم المؤسساتي الضيق، في تسيير الجلسات وضمان السير العادي للمحكمة.

غير أن هذا الدور — في سياق دولة تسعى إلى ترسيخ تقاليد دستورية أصيلة — يتجاوز الإطار الإداري إلى بعد قيادي فكري وتأويلي.

إذ يُفترض في رئيس المحكمة أن يوجه الاجتهاد القضائي الدستوري نحو بناء فقه مغربي متميز، يوازن بين مقتضيات الحداثة ومقومات الهوية الدستورية الوطنية.

ففي فرنسا مثلًا، يُنظر إلى رئيس المجلس الدستوري كـ”ضمير الجمهورية” (Favoreu & Philip, 2023)، وفي ألمانيا يمثل رئيس المحكمة الدستورية الفدرالية “الحارس على القيم الأساسية للأمة”

وعليه، فإن رئيس المحكمة الدستورية المغربية مدعو لأن يكون “ضمير الملكية الدستورية”، لا من حيث الولاء السياسي، بل من حيث الوعي العميق بدور الملكية كضامن للهوية الدستورية للأمة المغربية.

*تالثا: المحكمة الدستورية كحامية للملكية من شوائب الحداثة:*

من التحديات الفكرية الراهنة في التجربة الدستورية المغربية ما يمكن تسميته بـ”شوائب الحداثة”، أي نقل المفاهيم الغربية دون تكييف مع الخصوصية الوطنية.

فالحداثة الدستورية في معناها الأوروبي تقوم على فكرة العلمنة المؤسسية وفصل الدين عن الدولة، في حين أن الملكية المغربية تستمد شرعيتها المزدوجة من البعدين الديني والسيادي معًا.

إن المحكمة الدستورية، بما تمتلكه من سلطة تأويل، مطالبة بضمان أن يظل الدستور إطارًا للتحديث، لا أداة للتغريب.

فحماية الدستور هنا لا تعني فقط حماية النص، بل حماية روح الملكية من التفكك المفهومي الذي قد تُحدثه الحداثة المفرطة.

كما يؤكد كلسن (1962) أنّ القاضي الدستوري مطالب أحيانًا بحماية النظام السياسي نفسه من “الانتحار القانوني”، أي من التحولات التي قد تنسف الأسس التي يقوم عليها الدستور.

*رابعا: رئيس المحكمة كفاعل في هندسة التوازن الدستوري*

تشكل مؤسسة الرئاسة الدستورية موقعًا فريدًا بين السلطات، فهي لا تحكم باسم السلطة التنفيذية ولا تمثلها، بل تمثل الضمير القانوني للنظام السياسي برمّته.

وبذلك يكون رئيس المحكمة هو مهندس التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبين الملكية الدستورية والممارسة الديمقراطية، في انسجام تام مع الثوابت الدينية والوطنية للدولة.

هذا الدور يستوجب استقلالًا فكريًا وقدرة على ممارسة “التأويل المسؤول”، أي التأويل الذي يخدم الاستمرارية دون أن يقتل التطور.

كما أن الرئيس هو من يضمن أن تظل المحكمة سلطة فوق الانقسامات السياسية، تخدم الدستور لا الأطراف.

*خامساً: نحو فقه دستوري مغربي جديد*

يدعو هذا المقال إلى بناء مدرسة مغربية في الفكر الدستوري، تنهل من المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، دون أن تتنكر لخصوصية الشرعية المغربية.

أي الانتقال من نقل النموذج إلى بناء النسق هو جوهر السيادة الفكرية للدولة الدستورية الحديثة.

إن تأسيس هذه المدرسة يتطلب حضورًا فكريًا قويًا لرئيس المحكمة الدستورية، بوصفه قائدًا فكريًا للدولة القانونية، يوازن بين مقتضيات الحداثة وروح الملكية.

فإذا كانت الملكية الدستورية المغربية تمثل “الذاكرة السياسية للأمة”، فإن المحكمة الدستورية هي أداتها في صون هذه الذاكرة داخل النص القانوني.

خاتمة

إن رئاسة المحكمة الدستورية في المغرب ليست مجرد موقع إداري أو قضائي، بل هي وظيفة سيادية فكرية.

فالرئيس، في هذا التصور، هو حارس للملكية الدستورية بقدر ما هو حارس للدستور، لأنه يحمي التوازن الدقيق بين الأصالة والتحديث، وبين الشرعية التاريخية والشرعية الديمقراطية.

إن المغرب، في ظل ملكية دستورية متجددة، يحتاج إلى فقه دستوري متجدد يقوده عقل دستوري متبصر، يُدرك أن حماية النص ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لحماية روح الدولة المغربية من الانزلاق إلى الحداثة المنفلتة أو الجمود المحافظ.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *