ذاكرةُُ و جراحُُ و ولادةُُ من صخبِ الوجعْ
أجمل الحكايات غبش ثقيل بين المشتهى على شرف الوحل ، استقبال المطر من قلبٍ منزوٍ على خيبة عالية تذرُوها الريح المحمّلة بوجع الذاكرة بين تجاعيد الوادي و تنُّهدات الأرض . يلتهم الأنين وجبة خفيفة تحت أسوار القصبه ، و أنت لا تفرك عين المدى كباقي التنهُّدات خوفا على دمعة وقفت على عتبات محجرك الملائكي .
ليس انهزاما ذلك البكاء الذي يؤرخ لمكر هذا الزمن البئيس على منوال الحاقدين . خوفك تحميه براءة النجوم تحت سِدرة المنتهى حين تجتمع على جدران السموات الروح بعوالقَ الخيبات و الشّجن العتيق و يبتسم الله ..
لا عليك ؛
البكاء اغتسالُُ رباني يكابد استرجاع الولادة الأولى طهارةً للروح بين معصمي الصدى ، يمسحُ شبابيك الماضي على مرآى خيبة مُصابة بالأمل على عويل الليل المُحتضر ، و يفتح الفجر السّتارة لنبضات الحكايا من جديد و صلوات القلم تسبِّح بنُبل مشاعرك الفياضة حزنا و ورديا ؛ تكبر أوجاعك بذاكرة أخف من أن يستهدفها بطش أمسٍ يمتطيه الشيطان و يجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الحلم بغذٍ أرحب من كل الضربات . ذاكرتك واحة بلَّعمان يعاند الظمأ الجاحد و يسمح لنبضات الهوى و الشرود أن ترمح بشغفٍ أكبر مغمس بدفء الوصال و بنهمٍ أكبر يفتح محراب النكهات على وسعها للعاشقين و أنت .
ما أجمل حماقات الليل و هو يركل غضب الذاكرة مثل رقصة مطر تجدِّد الروح في جثامين خامدة بفيافي القلب ، يُسمّد المساء لتطلع الشذرات بهية إطلالتها المولعة بالأسرار و النشوة كلها أنت كالليل عندي كالمطر البكر و كعمق أغمات و حزن الكمانجات اللائي يرجعن من وغى العشق خائبات كقصائدي الجفاءُ على هامش الجمال الفاقد نخوته يقصي كساء الأحلام عُنوة و يركض عاريا في بال المطر ..
لا مبررا لحزن يولد من بقايا الذاكرة ، و المرأة الأغماتية في بحبوحة وحدتها تعاند هواها و تترنّح حيص بيص بين متاهات الأمس الجريح و اليوم الذي يجدد النفخ في أنين ولّى ، تحاول أن تغسل كرستال الوجع بماء العين مخاطبة ربا حليما يتابع من قريب ، و تثمل بصدى ضحكاتها المقاوِمة جشع الزوايا المغلقة بالظنون ، ثم تدير ظهرها للعابرين و أبطال القافية يسقطون تباعا بمسافاتِ قلبها الجريح و لا أتاي في قدحٍ مسّه اللغوب و لا شذْرة في حضن القدح من يشرب الذاكرة على مهلٍ و من يتحسّس ريح حزنها المخبوء في ثخوم الروح ؛ يقول : إكتفت !! و لا شيء يستحقها .. لا خيال يرمح في نشوة عمقها و لا ترجمات لانكسار قمحي أصابها يبلغ مبلغ الحناجر و لا ارتجاف داخل الجنون أو خارج العقل يقيس صفاء النبض و ثوراته على زمن الخيبات و لا مسّ على أوتار جيديها يمنح المدى فرصة الرقص المبلّل بالحلم .. ؛؛؛
لا شيء يستحقني هكذا قالت و مضت تاركة خلفها القيل و القال ..
تُرى من يستئصل نون الوجع في أحشائها سوى الصدى يذكِّرها بالبطولات على خطى أغمات ذاكرة زينب العميقة الذكية المحيا و وفاء تاشفين لا يقبل هزائم الشهداء و ننتصر أو نموت ما بقي من نبووات ملحمة نصر غراء و لا تثريب عليك ..
ترى من يحرِّض نساءً مرهقاتٍ بدروب الخيبات و قصائد عاشقة تولد برحم الصمود و قدحها يتبلّل بالدمع رقراقا لا يناسب رباطة جأش تجيء من ملاحم التاريخ مُذ كان حماس زينب حجرا أساس لحاضرة تاشفين و نُبل الفيافي كان وصمة عار يلازم كل الخائنين و التيه لا يناسب المرابطين في ثغور الممانعة رغم تكالب المتربصين ..
تُرى و القصبات المتهالكة و الديار الموغلة في الوحشة من مكر التاريخ خلف الأفق المجتث بقدائف الزور تبتث القلب أرشيفا يقاوم الإنهيار صونا لبطولاتِ من علّمها أن الدمع لا يليق بالشهداء و بمن خرج من صُلبهم و اللون الجاحد المنزلق من روح العابثين بالقلب مجرد انحراف يكشف زيف المُغرضين ..
أغمات و نوميديا و كل الملاحم هي ، و تُدير العشق ، رغم حزنها و الجراح العنيدة و كل خيبات القلب ، بطولاتٍ لؤلؤةً لؤلؤةً في عقد نخوتها و يُلملم حدائق حُسنها نُبل البطولات التي تؤرخ لها شاهدة نُحتت على قبر شهيد تفوح منه نكهة نكهة ألف بطولة لا ترضى الدمع رسالة للمتشوفين إلى حفظ الذاكرة من الزوال بساحات الزيف و تُرهات المرجفين و الأفاكين ..
لقد لملمت جراحها صامتة على غرار كل الشهداء و امتطت صهو المطر تسافر بعيدة جدا نحو ثغرها ، قلبها ، حلمها الفياض بالصعود صمودا كحبة قمح تريد أن تصبح حقلا بالأحمر لون العشق بالأزرق بلون الطموح واثقة بغذ مشرق يشعّ من ثخوم روحها ؛ لا استسلاما هناك و لا ترددا ، و تستمر واثقة من دفء الذاكرة التي لا تقبل خيانة الشهداء ؛
ننتصر أو نموت لازمة تعرفها عن كثب على خطى شهيدها الذي يزفُّه قلبُها عريسا ببحبوحة القلب و التاريخ ، و الشهيد سيعيش أكثر من جلاده و ما ينبؤها مثل تاريخ ..

