دفاعًا عن مهنة المحاماة والمحامين المحاماة بين الجرح والرسالة
لم تعد مهنة المحاماة اليوم في منأى عن رياح التهميش والتشويه. تتلقى ضربات متتالية، من تشريعات متسرّعة، إلى نظرة سلطوية تسعى لتقزيم دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات. إنها ليست أزمة مهنة فحسب، بل أزمة قيم وعدالة.
المحامي الذي كان يُنظر إليه كصوتٍ للمظلوم وضميرٍ حيٍّ للمجتمع، أصبح يُعامل كطرفٍ مزعج، يُراد له أن يصمت أو يتراجع إلى الهامش. تُفرَغ المهنة من رمزيتها، وتُختزل في إجراء أو وثيقة، في حين أن جوهرها دفاعٌ عن كرامة الإنسان قبل أن يكون دفاعًا عن ملف.
إن المحاماة، تاريخيًا، لم تكن مجرد حرفة قانونية، بل كانت مدرسة للنضال المدني، ومجالًا لتقاطع القانون بالأخلاق، والنص بالعدالة. فمن بين صفوف المحامين خرج من دافعوا عن الحريات العامة، وواجهوا الاستبداد، وحموا الحق في الاختلاف، حين كان ثمن ذلك السجن أو النفي أو العزل.
لكن المفارقة المؤلمة اليوم أن المحامي يُطالَب بأداء رسالته في مناخ يُضيّق عليه، ويُنظر إليه بعين الريبة، ويُحمَّل مسؤوليات لا تتناسب مع سلطته ولا مع أدواته. فكيف نطالب بمحاكمة عادلة دون محامٍ حرّ؟ وكيف نتحدث عن دولة القانون إذا كان من يحرسها يُدفع إلى الزاوية؟
إن أي مساس بمكانة المحامي هو مساس مباشر بحق الدفاع، وحق الدفاع ليس امتيازًا لفئة مهنية، بل ضمانة أساسية لكل مواطن. فالمتهم، مهما كانت التهمة، يظل إنسانًا له حقوق، ولا تتحقق هذه الحقوق إلا بوجود محامٍ مستقل، قوي، ومحمي قانونًا ومعنويًا.
لقد أفرزت بعض الممارسات والخطابات نزعة خطيرة، تختزل العدالة في السرعة، وتُقدّم النجاعة الشكلية على الإنصاف الحقيقي. وفي هذا السياق، يُصوَّر المحامي أحيانًا كعائق، لا كضمانة، وكأن العدالة سباق زمني لا ميزان قيمي.
إن الدفاع عن المحاماة هو دفاع عن التوازن داخل المنظومة القضائية. فالقاضي، والنيابة العامة، والمحامي، أضلاع مثلث واحد، لا يستقيم أحدها دون الآخر. وأي اختلال في هذا التوازن يفتح الباب أمام التعسف، ويُضعف ثقة المجتمع في العدالة.
ولا يمكن إنكار أن المهنة تعاني أيضًا من اختلالات داخلية، ومن تحديات مرتبطة بالتكوين والأخلاقيات وظروف الممارسة. غير أن معالجة هذه الإشكالات لا تكون بالتشهير الجماعي ولا بالتجفيف المؤسساتي، بل بإصلاح تشاركي يحترم المهنة ويُحصّنها.
إن كرامة المحامي من كرامة القضاء، واحترامه هو احترام للعدالة ذاتها. فحين يُهان المحامي داخل قاعة المحكمة أو خارجها، تُهان فكرة الإنصاف، ويُبعث برسالة سلبية إلى المجتمع مفادها أن الدفاع عن الحق مغامرة غير مأمونة.
من هنا، فإن اللحظة الراهنة تستدعي وقفة جماعية، لا فئوية، لإعادة الاعتبار لمهنة المحاماة، باعتبارها شريكًا لا غنى عنه في بناء دولة الحق والقانون، وقفة تُذكّر بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بحماية من يُدافعون عن الحقوق، لا بإضعافهم.
إن الدفاع ليس ترفًا قانونيًا، بل هو روح العدالة. وإذا فقدت العدالة روحها، تحولت إلى مجرد إجراء بارد، لذلك، فإن الدفاع عن المحاماة اليوم هو دفاع عن إنسانية القانون، وعن المعنى العميق للعدالة.
وفي الختام، لا بد من التأكيد أن المحاماة ستظل رسالة قبل أن تكون مهنة، وجرحًا مفتوحًا كلما انتُهكت الحقوق، وصوتًا عاليًا كلما خُنقت الحرية.
وحين تُصان المحاماة، تُصان معها دولة القانون، ويطمئن المجتمع إلى أن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة حية.

