“خيانة الوطن أم وفاء للأرض؟: في المأزق الأخلاقي للزعيم الفلسطيني”

“خيانة الوطن أم وفاء للأرض؟: في المأزق الأخلاقي للزعيم الفلسطيني”
بقلم عبد الإله طلوع – باحث في القانون العام والعلوم السياسية

في السياسة كما في الأخلاق، ليست الخيانة دائمًا فعلاً واضح المعالم. هناك خيانات تُرتكب باسم العقل، باسم الواقعية، باسم الممكن، بل حتى باسم “الإنقاذ”. وهناك، في المقابل، مواقف تبدو في ظاهرها ضعفًا أو تواطؤًا، لكنها في جوهرها تندرج ضمن سردية أعمق: سردية الانتماء لأرضٍ لا تزال تحترق.

لنتأمل في موقف محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، الذي قدّم عرضه – المثير للجدل – بمساعدة إسرائيل في إطفاء حرائقٍ نشبت داخل الأرض المحتلة.
قد نقرأ في هذا الفعل قمة الخيانة، أو منتهى الخضوع، أو تجسيدًا وقحًا “لتنسيق أمني” صار رمزًا للذل الفلسطيني.
لكن، هل يمكننا أيضًا أن نقرأه من زاوية مغايرة؟
هل يمكن لعدوٍّ جريح أن يقدّم المساعدة، لا إلى الجلاد، بل إلى الأرض التي يتنازعها معه؟
هل يمكن لخصمٍ أن ينقذ ما تبقّى من شجرة زيتون، لا من أجل العدو، بل من أجل التاريخ؟

ما يجعل هذا الموقف مُربكًا، أنه يستدعي سؤالاً أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا:
هل الولاء لفلسطين هو ولاء للقضية أم للأرض؟
هل يمكن فصل العدو عن الأرض التي يحتلها؟
هل يُعدّ إنقاذ الطبيعة – شجرها، وحجرها، وترابها – خيانة إن صدر عن اليد التي تفاوض؟

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن شخصية عباس، فهو نموذج لزعيم سياسي فقد الكثير من الشرعية الرمزية.
لكن، في لحظة اشتعال الأشجار، وتحوّل السماء إلى رماد، تُصبح الجدالات السياسية صدى باهتًا أمام سؤال الوجود:
هل نترك النار تلتهم جذور الذاكرة، لأنّ الماء الذي سيطفئها يأتي من يد “مشكوك في طهارتها”؟
وهل تُمحى جريمة الاحتلال بالنية الطيبة لمن يحاول إنقاذ الجغرافيا؟

ثمة مأزق فلسفي يُطلّ من هذا الموقف:
إنك حين تُنقذ العدو، قد تكون خائنًا؛
لكن حين تُنقذ الأرض، فأنت في صلب الانتماء.
وحين تتعامل مع المحتل، قد تكون متواطئًا؛
لكن حين تُنقذ الشجرة من الاحتراق، فأنت تعيد التوازن للأخلاق، لا للسياسة.

هذه المعضلة تُشبه موقف سقراط حين رفض الهرب من السجن، رغم ظلم الحكم، لأنه رأى في البقاء وفاءً لعقدٍ رمزي مع المدينة. فهل في عرض عباس، رغم كل ما فيه من ارتباك وقابلية للتأويل الخبيث، شيء من ذلك الوفاء الرمزي للأرض، لا للسلطة؟

أليس من العبث أن نُسائل رجلًا عن ولائه لفلسطين، وهو لم يغادرها؟ بينما نُعفي من النقد أولئك الذين يزايدون من أبراج بيروت واسطنبول وباريس؟
أليست فلسطين التي تحترق – لا حكوماتها – هي ما يجب أن يُستعاد أولًا؟ ولو رمزيًا؟ ولو بقطرة ماء؟

نحن، دون شك، في لحظة تُحاكم فيها النوايا كما تُحاكم الأفعال. لكن الخطورة تكمن في تعميم الخيانة، في جعل كل ما يصدر عن الخصم الداخلي خيانة مطلقة، وكل ما يصدر عن “المُقاوم” براءةً خالصة.
تختلط المعايير، وتضيع الأسئلة.

وفي قلب هذا التيه، تبقى الأرض – تلك التي لا تكذب – تحترق.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *