خطابات حزبية… بين “قاموس الإنجاز” و”قاموس الانهيار”
تبدو إحدى المفارقات الكبرى في التجربة السياسية المغربية ليست في ضعف الأحزاب أو قلة حيلتها فقط، بل في ازدواجية خطابها وسهولة انتقالها من موقع إلى آخر دون أدنى حرج أو شعور بالمساءلة. فالأحزاب الممثلة في البرلمان عندنا تتقن لعبة تغيير الأقنعة أكثر مما تتقن صياغة البرامج، وتستطيع في ليلة وضحاها أن تتحول من حزب “مدافع عن المؤسسات” على طريقة حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات فديك، إلى حزب راديكالي يرفع شعارات المعارضة الجذرية شبيهاً بالنهج الديمقراطي الذي لم يسبق له أن ذاق طعم التدبير ولا آمن أصلاً بمؤسسات الدولة.
لكن السؤال الجوهري هنا: هل يتعلق الأمر بخطاب سياسي ينبع من قناعة فكرية؟ أم أننا بصدد تكتيك ظرفي تحكمه موازين السلطة ومقاعدها؟
في لحظة وجودها داخل الحكومة، تسمع خطاباً مفعماً بالتفاؤل والإنجازات، حتى تكاد تظن أننا في مصاف الدول الصاعدة الكبرى، وأن كل السياسات العمومية ناجحة بامتياز، وفي اللحظة نفسها، ما إن يُلقى بها خارج دائرة التدبير حتى تتحول بقدرة قادر إلى بوق للنقد الحاد، فتسمعها تتحدث عن انهيار شامل وشلل كامل.
فكيف يمكن لحزب أن يصف نفس السياسات التي دافع عنها بالأمس بأنها فاشلة اليوم؟ وهل يظن أن المواطن لا يملك ذاكرة سياسية؟
خذ مثلاً خطابها المتكرر عن الملكية. عندما تكون في الحكومة، لا تكف عن التذكير بأن كل ما تحقق هو بفضل التوجيهات الملكية السامية. وعندما تُزَاح من السلطة وتجلس على مقاعد المعارضة، تصرخ عالياً: “كفى من توظيف المؤسسة الملكية في الصراع السياسي”. فأي مصداقية تبقى لهذا الخطاب المتقلب؟ وأليس في ذلك إفراغ للعمل الحزبي من جوهره المتمثل في الوساطة والاقتراح؟
الأكثر إثارة للسخرية أن هذه الأحزاب نفسها، التي تصرخ اليوم بأن المغرب يعيش الانهيار، ستتخلى غداً عن قاموس الأزمة إذا ما تم استدعاؤها إلى الحكومة لاعتبارات سياسية أو توازنات ظرفية. وساعتها، قبل أن يرتد إليك بصرك، ستعود إلى قاموس “الإنجازات المبهرة”.
فهل السياسة مجرد لعبة لغوية؟ أم هي مسؤولية تاريخية يفترض أن تبنى على وضوح في المواقف؟
إن المعارضة في هذه الحالة تصبح مجرد مقام لغوي، وليست موقعاً مؤسسياً يفرض الرقابة والمساءلة. وتصبح الحكومة بدورها مقاماً لغوياً آخر، يفرض ترديد شعارات الإنجاز دون حساب أو دقة.
والمواطن بدوره صار قادراً على قراءة هذه المسرحية المكررة، فلم يعد يصدق هذا “التحول السحري” من النقيض إلى النقيض.
فكيف يُطلب منه أن يثق في طبقة سياسية تمارس لعبة الأقنعة أكثر مما تمارس وظيفة التمثيل؟
إن أخطر ما يترتب عن هذه الازدواجية ليس فقط فقدان الثقة في الأحزاب، بل فقدان الثقة في السياسة برمتها.
فإذا كانت الأحزاب التي من المفترض أن تمثل صوت المجتمع لا تؤمن بخطاب ثابت ولا بمرجعية واضحة، فكيف يمكن أن تطلب من المواطن أن يصدقها أو يمنحها ثقته؟ وهل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية على أرضية متحركة بهذا الشكل؟
في التجارب الديمقراطية الراسخة، تُبنى الثقة على وضوح الموقف حتى ولو كان مكلفاً. فالمعارضة هناك ليست شتيمة مجانية، بل مشروع بديل وبرنامج قابل للتطبيق. أما عندنا، فالمعارضة غالباً مجرد انتظار للفرصة القادمة للعودة إلى الحكومة، والحكومة مجرد مقعد مريح يتيح التلويح بإنجازات وهمية. فهل يمكننا حقاً أن نتحدث عن انتقال ديمقراطي في ظل هذه الثقافة الحزبية؟
لقد آن الأوان لأن نواجه حقيقة مرة: المشكل في المغرب ليس فقط في ضعف السياسات العمومية، بل في ضعف الطبقة السياسية التي لا تمتلك الجرأة على قول الحقيقة. لا يكفي أن نحمل الملكية كل المسؤوليات في الخطاب حين نكون في الحكومة، أو نبرئها حين نكون في المعارضة. ما نحتاجه هو أحزاب تتحمل مسؤوليتها كاملة، وتملك شجاعة تقديم تقييم موضوعي، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة.
فالبلد لا يحتاج إلى خطابين متناقضين، بل إلى مشروع سياسي واضح المعالم. والمغاربة لا ينتظرون سماع قصص عن “الإنجازات المبهرة” ولا عن “الانهيارات الشاملة”، بقدر ما ينتظرون مصارحة حقيقية تضع اليد على الأعطاب وتقترح حلولاً واقعية، وإذا لم تعِ الأحزاب هذا الدرس، فإن مستقبلها سيكون مجرد هامش سياسي بلا تأثير، بينما ستظل السلطة الفعلية تبحث عن بدائل أخرى خارج الإطار الحزبي التقليدي.
إن مصداقية الخطاب السياسي هي رأس المال الرمزي لأي حزب، وإذا ضاعت هذه المصداقية فلن يبقى للحزب سوى المقاعد، وهي بدورها قد تذوب مع أول لحظة غضب شعبي أو عزوف انتخابي، والأكيد أن الشباب اليوم، الذي يتابع هذا العبث، لم يعد يثق في لغة القاموس المزدوج، بل يبحث عن فاعلين سياسيين يقولون ما يفعلون ويفعلون ما يقولون.

