حين يلوّح العسكر بالحدود: أي عقل يحكم الجزائر؟

حين يلوّح العسكر بالحدود: أي عقل يحكم الجزائر؟
بقلم الدكتور عبد الإله طلوع باحث في العلوم السياسية وقضايا الشباب

ما الذي يريده النظام الجزائري بالضبط من اقتحام بساتين قصر إيش بإقليم فجيج؟
وهل ترسيم الحدود بالقوة، في صبيحة باردة، يمكن أن يمنح شرعية سياسية لنظام مأزوم؟
ثم أي منطق هذا الذي يطلق الرصاص على “مدنيين غير مسلحين”، قبل أن يمدّ الخرائط بالبنادق؟
ليست الواقعة معزولة، ولا يمكن قراءتها كحادث حدودي عابر. نحن أمام سلوك سياسي مكتمل الأركان، يعبّر عن عقلية عسكرية لا تزال ترى في الجغرافيا غنيمة، وفي التاريخ أداة انتقام، وفي الجوار خصمًا دائمًا لا شريكًا محتملاً.
أسئلة حارقة لا مفر منها
لماذا يعود العسكر الجزائري إلى منطق التوسع الترابي في لحظة إقليمية ودولية تتجه نحو التسويات لا المغامرات؟
ولماذا تُستهدف بالضبط مناطق فلاحية مأهولة، يشتغل فيها مدنيون عُزّل، لا ثكنات ولا مواقع عسكرية؟
أليس في ذلك بحث مقصود عن استفزاز المغرب، أملاً في جرّه إلى رد فعل يُعيد للجنرالات دور “حماة الوطن”؟
ثم أليس غريبًا أن تُرفع شعارات “التحرر” و“فلسطين” لتغطية اختراق حدود جارٍ دعم الثورة الجزائرية حين كان العسكر بلا شرعية ولا دولة؟
فلسفة النظام: حين تفلس السياسة ويتضخم السلاح
في التحليل الفلسفي، كل نظام يفشل في إنتاج مشروعية داخلية ديمقراطية، يعوّض ذلك بتضخيم العدو الخارجي.
العسكر الجزائري، بقيادة ثنائية تبون/شنقريحة، يعيش هذا المأزق:
اقتصاد مأزوم
مجتمع شاب مُحبط
حراك تم قمعه دون حل جذري
عزلة إقليمية متنامية
في مثل هذا السياق، تصبح الحدود مسرحًا، والخرائط أدوات تعبئة، والرصاصة لغة خطاب.
إنه منطق “السيادة بالتوتر”:
كلما اشتد الضغط الدولي حول الصحراء المغربية، وكلما اقتربت تسوية واقعية، سعى النظام الجزائري إلى خلق بؤر توتر جانبية، علّه يخلط الأوراق، أو يؤجل الاستحقاق.
أوراق العسكر: لعب مكشوف
ما يقوم به النظام الجزائري اليوم يمكن اختزاله في أربع ألعاب مكشوفة:
تحقيق مكاسب ميدانية محدودة تُستثمر لاحقًا كورقة تفاوض عند فتح ملف الحدود.
استدراج المغرب إلى مناوشات تسمح بتسويق خطاب “الدفاع عن النفس” دوليًا.
تخدير الداخل الجزائري بشعارات المؤامرة والتحرر، وربط كل أزمة بالمغرب.
إرباك الدبلوماسية المغربية في لحظة تقارب حذر مع إسبانيا حول ملفات حساسة كسبتة ومليلية.
المغرب: قوة الصبر لا ضعف الصمت
في المقابل، يُنتظر من المغرب – كما في محطات سابقة – أن يشتغل بمنطق الدولة لا بمنطق الثكنة:
تجاهل الاستفزاز الآني، لأن الدول الواثقة لا تُستدرج بسهولة.
الاستمرار في الدفاع الهادئ والحازم عن الوحدة الترابية، دون السقوط في فخ التصعيد.
ترك ملف الحدود لزمنه السياسي المناسب، بعد طيّ ملف الصحراء وفق الحل الواقعي المتوافق عليه دوليًا.
خاتمة: من يحكم المستقبل؟
السؤال الفلسفي الأعمق ليس: من يملك هذه الأرض أو تلك؟
بل: من يملك عقل الدولة؟
العسكر الذي يحكم بالخرائط القديمة، أم الدولة التي تبني شرعيتها بالاستقرار، والتنمية، وحسن الجوار؟
التاريخ علّمنا أن الحدود التي تُرسم بالقوة، تُمحى بالزمن.
أما الشرعية، فلا تُبنى إلا بالعقل… لا بالبندقية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *