حين يصرخ الهامش: رسالة من آيت بوكماز إلى قلب الوطن
في عمق الأطلس، حيث تنتهي الإسفلتات وتبدأ الحكايات التي لا تصل إلى نشرات الأخبار، توجد آيت بوكماز. ليست مجرد قرية تحاصرها الجبال، بل مجتمع صغير يرزح تحت ثقل التهميش المزمن، هناك، لا تصل صرخات الأطفال بسهولة، لأن المايكروفونات تفضّل الصدى الآتي من المدن، والمجالس المنتخبة تنحني فقط أمام خريطة المركز. إنها جغرافيا النسيان، تلك التي لا تُدرّس في مدارس الحكامة، ولا تدخل في مؤشرات التنمية البشرية.
حين تخرج ساكنة تبانت – إحدى دواوير آيت بوكماز – في مسيرة احتجاجية، فهي لا تخرج حبًّا في “البوز”، ولا شغفًا بتصدر عناوين الجرائد والمواقع، تخرج لأنها سئمت سياسة الآذان الصمّاء، وجرّبت كل أشكال الصبر، تخرج لأن القهر ليس قدَرًا، ولأن الصمت لم يعد خيارًا كريمًا. فهناك، في تلك المرتفعات النائية، الأمل لا يُقتَل دفعة واحدة، بل يُستنزف يومًا بعد آخر، بالقطّارة… قطّارة الإهمال، وقطّارة اللامبالاة، وقطّارة الوعود غير المنجزة.
ليست القضية قضية طريق غير معبّدة، ولا قنطرة مهددة بالانهيار، ولا حتى مستوصف مغلق إلا في وجه من يحتاجه فعلًا. المسألة أعمق من البنية التحتية، وأشد إيلامًا من عطب الخدمات، إنها مسألة كرامة، قبل أن تكون مسألة تنمية. إنها معركة الوجود في وطن يُفترض أنه للجميع، لكنه لا يمنح نفس الحق في الحلم، ولا يوزّع الإنصات بالتساوي.
ماذا يعني أن تُولد في الهامش؟ أن تعيش في منطقة لا يعرفها المسؤولون إلا عبر التقارير، ولا يزورونها إلا حين تستفحل الكارثة، أو حين تشتد الحاجة إلى “صورة انتخابية”؟ ماذا يعني أن يكون مستقبلك مرهونًا بمزاج طقس قاسٍ، لا تُخفف شدته ميزانيات عادلة، ولا تخفف آثاره سياسات عمومية رشيدة؟ إنه يعني باختصار أنك مطالب بالتأقلم مع الحرمان، وأنك مواطن بنصف حقوق… أو أقل.
آيت بوكماز لا تطرح فقط أسئلة التنمية، بل تكشف ضعف العدالة المجالية في مغرب القرن الواحد والعشرين، ماذا تبقّى من شعارات الجهوية المتقدمة إذا كانت دواوير بكاملها ما تزال تنتمي إلى “ما قبل الدولة الاجتماعية”؟ وما جدوى الحديث عن “النموذج التنموي الجديد” إذا كان الجديد لا يصل إلى الجبال، ولا ينزل من الوثائق إلى حياة الناس؟ هل تُقاس جدية الحكامة بعدد الاستثمارات المعلَنة في المدن، أم بعدد المناطق التي لم تعد تُجبر على الاحتجاج من أجل سيارة إسعاف أو نقطة ماء؟
إنه لمن المفارقة المحزنة أن تنظم جماعات محلية سهرات ومواسم بمئات الملايين، بينما تتوسل ساكنة تبانت سيارة إسعاف لا ينفد وقودها في الطريق، تُبذر الأموال على “الفرجة”، في حين يُطلب من أطفال الأطلس أن يُبدعوا في أقسام آيلة للسقوط، وأن يحفظوا الدروس في ظلّ الشموع، أين الدولة من هذا التناقض الصارخ؟ وأين الحكامة من هذا التوزيع الجائر للموارد؟
هذا المقال ليس بكائية رومانسية على الأطلس، ولا نداء عاطفي من أجل “الجبال الجميلة”، إنه تذكير سياسي وأخلاقي بأن المغرب الذي نريده لا يمكن أن يُبنى على ظهر الصامتين، ولا أن يزدهر في ظل استقالة الدولة من مسؤولياتها في المناطق النائية، إنه نداء للمركز كي لا يتحول إلى جزيرة عائمة فوق بحار من اللامساواة.
آيت بوكماز ليست استثناءً، بل هي مرآة لزاكورة حين عطشت، ولأنفكو حين تجمّدت، ولتارودانت حين غمرتها السيول.
هي نموذج مكثف للهامش الذي تعلم أن يكتب تاريخه بالصبر، وأن ينتزع حقه بالصوت، حين يُجبر على الصراخ. فحين يصرخ الهامش، لا يطلب صدقة، ولا يفتش عن شفقة، بل يضع قلب الوطن أمام مرآة المساءلة: أي مغرب نريد؟ ومن يملك الحق في الحلم فيه؟ ومن لا يزال مجرد “رقم انتخابي” على هامش الحسابات؟
الجواب لا يوجد في أوراق البلاغات، بل في الطرق المعبّدة فعلًا، في المدارس التي لا تنهار، في المستوصفات التي لا تُغلق، وفي الوطن الذي لا ينسى أبناءه حين يصعدون إلى الجبل.
فهل يسمع المركز هذه المرة؟
أم أن صرخة آيت بوكماز ستنضمّ إلى أرشيف صرخات مؤجلة…؟

