حين لا تكون الكارثة قدراً: في مسؤولية الدولة عن مآسي الفيضانات

حين لا تكون الكارثة قدراً: في مسؤولية الدولة عن مآسي الفيضانات
بقلم: الدكتور عبد الإله طلوع

 

ليست كل الكوارث الطبيعية قدراً منزلاً، ولا كل نتائجها قدراً لا يُردّ ولا يُناقش. فبين ما تفرضه الطبيعة وما تصنعه السياسات العمومية، توجد منطقة رمادية واسعة اسمها: التدبير، والتخطيط، والمسؤولية. وفي هذه المنطقة تحديداً تُصنع المآسي، ثم يُسارع إلى تبريرها بلغة القضاء والقدر.
قد لا نملك القدرة على التنبؤ بالزلازل بدقة، وقد يُفهَم – وإن بصعوبة – عدم تعميم معايير مقاومة الزلازل في كل البنايات بالمغرب، لأسباب تقنية أو اقتصادية. فالزلازل، بطبيعتها، أحداث فجائية ومعقدة. لكن ما لا يمكن فهمه ولا تبريره هو غياب سياسات استباقية للتقليل من آثارها، وغياب تصور وطني شامل لتدبير المخاطر الكبرى. هنا لا نتحدث عن قدر، بل عن تقصير سياسي وتدبيري واضح.
غير أن الفيضانات تضعنا أمام مستوى أخطر من الإهمال. لأن الفيضان ليس حدثاً غامضاً ولا مفاجئاً. هو ظاهرة معروفة، قابلة للتوقع، موثقة تاريخياً وجغرافياً. وكل تخطيط عمراني لا يضع احتمالية الفيضانات في صلب اختياراته هو تخطيط يُنتج الكارثة مسبقاً، ثم يتعامل معها بعد وقوعها بمنطق الاستعطاف والتبرير.
لا يمكن الاطمئنان إلى الطبيعة حدّ الاستهتار، ولا تشييد مدن بأكملها في مجاري الأودية، أو في مناطق تجمّع المياه، ثم الادعاء بأن ما حدث “ابتلاء” أو “قضاء وقدر”. فحين تتحول مجاري السيول إلى أحياء سكنية، تصبح الكارثة قراراً إدارياً قبل أن تكون حدثاً طبيعياً.
المقارنة التي يحاول البعض عقدها بين فيضانات إسبانيا وما وقع في القصر الكبير، ليست فقط مقارنة مضللة، بل تحمل قدراً كبيراً من سوء النية أو الجهل. هي مقارنة بين حالتين متشابهتين شكلاً، ومختلفتين جوهراً ومسؤولية.
تشبه هذه المقارنة من يقارن بين شخص صدمته دراجة هوائية فمات، وآخر صدمه قطار سريع وهو يرتدي خوذة وسترة واقية، لكنه مات أيضاً. النتيجة واحدة، نعم، لكن السياق مختلف جذرياً، والفارق في المسؤولية واضح وفاضح.
إسبانيا دولة استثمرت لعقود في البنية التحتية، في التخطيط الحضري، في خرائط المخاطر، في أنظمة الإنذار المبكر، وفي تجهيز فرق الإنقاذ. ورغم ذلك، وقعت الكارثة وسقط ضحايا. هناك، يمكن الحديث عن قوة الطبيعة التي تجاوزت كل الاحتياطات الممكنة.
أما في حالة القصر الكبير، فنحن أمام مدينة بُنيت حرفياً داخل منطق الفيضان. تخطيط عمراني مختل، تمدد عشوائي، غياب شبه تام لمنطق الوقاية، ضعف في أنظمة الإنذار، وانعدام في الرؤية الاستباقية. ما وقع لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً، ومحذَّراً منه، ومعروفاً لدى الساكنة قبل المسؤولين.
الفرق الجوهري إذن ليس في حجم الأمطار، بل في طبيعة الدولة. هناك دولة حاولت أن تسبق الكارثة، وهنا دولة لم تحاول أصلاً. هناك مؤسسات اشتغلت بمنطق الحدّ من الخسائر، وهنا تدبير موسمي لا يتحرك إلا بعد سقوط الضحايا.
إن تحويل كل فشل تدبيري إلى “قدر”، هو أخطر أشكال العنف الرمزي ضد المجتمع. لأنه يعفي المسؤول من المحاسبة، ويحوّل المواطن إلى ضحية صامتة، ويكرّس ثقافة الإفلات من المسؤولية.
الدولة ليست مطالبة بمنع الكوارث الطبيعية، لكنها مطالبة بمنع تحولها إلى مآسٍ اجتماعية. الفرق بين الدولة الراشدة والدولة المهملة لا يُقاس بعدد الكوارث، بل بعدد الضحايا، وحجم الخسائر، وسرعة الاستجابة، وصدق الاعتراف بالخطأ.
ما وقع في القصر الكبير ليس فقط فيضاناً، بل اختباراً أخلاقياً وسياسياً فشلت فيه السياسات العمومية. اختبار كشف هشاشة التخطيط، وضعف الحكامة، واستسهال تحميل الطبيعة وزر أخطاء البشر.
وعندما تُساوى الحالات المختلفة، وتُمحى الفوارق بين من فعل ما بوسعه ومن لم يفعل شيئاً، نكون أمام محاولة لتبييض الإهمال، لا لتحليل الكارثة.
القدر لا يُحاسَب، لكن المسؤول يُحاسَب.
وهنا بالضبط يجب أن يبدأ النقاش، لا أن ينتهي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *