حين تتقاطع الضرورة بالسيادة: إلغاء عيد الأضحى في المغرب بين العقل والوجدان الوطني
في قرار غير مسبوق، أصدر العاهل المغربي توجيهاً صارماً يقضي بإلغاء الاحتفال بعيد الأضحى هذه السنة، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية، اجتماعية، واقتصادية عميقة، وذات دلالات سيادية لا يمكن التقليل من شأنها. القرار الذي فاجأ الكثيرين، أثار نقاشًا حادًا حول تناقضه الظاهري مع أحد أعظم شعائر الدين الإسلامي، لكنه في العمق يعكس فهمًا رصينًا لمسؤولية القيادة تجاه تحديات استثنائية تواجه البلاد.
إن إلغاء عيد الأضحى ليس مجرد قرار إداري أو إجراء وقائي، بل هو تعبير عن وعي سياسي استراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً لتوازنات الدولة والمجتمع في لحظة حرجة. فالبلاد تواجه أزمة بيئية متفاقمة تتمثل في الجفاف الحاد الذي أثر على مصادر الأعلاف وأدى إلى تراجع حاد في الثروة الحيوانية، ناهيك عن الأعباء الاقتصادية المتزايدة التي تجهد قدرات الأسر المغربية، خصوصًا في الأوساط القروية التي تعتمد على الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للعيش.
من الطبيعي أن يرتبط عيد الأضحى بالمواسم التي تعكس فرحة واحتفالًا واسعًا، ولكن الاحتفال يجب ألا يكون على حساب قدرة الأسر على العيش الكريم أو على حساب توازن الموارد الحيوانية الوطنية. فالاقتصاد الوطني في حاجة إلى حكمة توازن بين الرغبات الفردية والتطلعات الجماعية، وبين الشعائر الدينية والضرورة الاقتصادية.
قرار الإلغاء جاء كإجراء وقائي يهدف إلى حماية القطيع الوطني من الذبح العشوائي الذي قد يؤدي إلى انهيار الثروة الحيوانية، وهو ما سينتج عنه أضرار جسيمة في المستقبل القريب والمتوسط، مثل نقص اللحوم، ارتفاع أسعارها، وتدهور أوضاع الفلاحين والكسابة، وهذا كله سينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الاقتصاد الوطني.
وبالتالي، فالقرار بمثابة دعوة إلى التضحية المؤقتة، تحملها المواطنون بروح وطنية، باعتبار أن “التضحية” الحقيقية ليست فقط في ذبح الأضحية بل في حماية القطيع الذي يضمن استمرار حياة الملايين.
لا يمكن النظر إلى قرار إلغاء العيد بمعزل عن البُعد الديني، فهو يلامس جوهر الشعيرة التي تقوم على التضحية وتكريس الروح الاجتماعية والإنسانية. لكن القرار يحمل رؤية متقدمة توازن بين الشعيرة وروح الشريعة التي تحث على حفظ النفس والمال والعقل.
في هذه اللحظة، يتجلى مفهوم “الضرورات تبيح المحظورات”؛ إذ أن حفظ الثروة الحيوانية ومنع تفاقم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية هو أسمى من المحافظة على الشكل الاحتفالي التقليدي، خاصة إذا كانت الظروف تحتم ذلك.
هذه الرؤية تفرض على المجتمع المغربي إعادة النظر في مفهوم الشعائر في ظل الظروف الاستثنائية، مع التأكيد أن الشرع يحث على التيسير وحماية المصلحة العامة، وأن الجماعة ككل يجب أن تُؤخذ في الحسبان عند اتخاذ مثل هذه القرارات.
القرار الملكي جاء كتعبير عن إرادة سياسية راسخة، تحمل دلالات سيادية هامة، تؤكد أن المغرب يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وهو اختبار جاد وواقعي للنضج المؤسساتي وقدرة الدولة على التفاعل مع الأزمات بشكل استباقي ومدروس.
فالدولة بهذا القرار لا تتخلى عن دورها في تنظيم الشأن الديني، بل تبرز مسؤوليتها في ضبط التوازن بين الحريات الدينية والضرورات الوطنية، وتحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي. وتُظهر أن السيادة الوطنية تشمل القدرة على اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية، في سبيل حماية مقدرات الوطن وأمنه المستقبلي.
كما أن هذا القرار يضع السلطات التنفيذية في مواجهة مسؤولية كبيرة: التنفيذ الحازم، التواصل الواضح مع الجمهور، والردع القانوني لكل من يحاول مخالفة التوجيهات الملكية، مع ضمان تعبئة شاملة للمواطنين لفهم عمق القرار وأبعاده.
في ميدان التطبيق، يواجه القرار تحديات كبيرة تتمثل في مقاومة جزء من المجتمع لعملية الإلغاء، سواء لأسباب ثقافية أو اقتصادية أو دينية، وهو ما يتطلب من الدولة خطة متكاملة للتواصل والتوعية، تقوم على إشراك الفاعلين الدينيين، الإعلام، المجتمع المدني، والقيادات المحلية، بهدف بناء توافق وطني يدعم هذه الخطوة.
وعلاوة على ذلك، فإن القرار يشكل فرصة لتعزيز السياسات الداعمة للثروة الحيوانية، عبر تحسين نظم التزويد بالأعلاف، تطوير البنية التحتية للفلاحة، دعم الكسابة مالياً وتقنياً، وتنظيم الأسواق بشكل يمنع المضاربات ويضمن استدامة القطاع.
إلغاء عيد الأضحى في هذه الظروف الاستثنائية هو أكثر من قرار تقني أو اقتصادي؛ إنه قرار سياسي سيادي، يحمل في طياته دعوة صريحة للمغاربة لإعادة التفكير في قيم التضحية والتضامن، لفهم أن حماية الوطن ومقدراته لا تكون إلا عبر مسؤولية جماعية ناضجة.
وفي الوقت الذي قد يثير القرار جدلاً واسعاً، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن المغرب اختار أن يكون في مقدمة الدول التي تواجه أزماتها بوعي عميق وإرادة صلبة، وهو بذلك يرسم لنفسه خارطة طريق جديدة للسيادة الوطنية في زمن متغيرات كبرى.

