حين تتحول كرة القدم إلى خطاب رسمي: عن وهم النجاح وتكلفة الإلهاء
بقلم : الدكتور عبد الإله طلوع
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل نجحت البطولة من حيث التنظيم والبهرجة؟ فذلك تحصيل حاصل في زمن تُشترى فيه الصورة وتُدار فيه الانطباعات باحتراف. السؤال الحقيقي، الأكثر إزعاجا، هو: من يملك سلطة إعلان “النجاح”، وبأي منطق، ولحساب من؟ حين يخرج وصف “أفضل بطولة في التاريخ” من فم الأمين العام للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، فنحن لسنا أمام شهادة محايدة، بل أمام خطاب صادر عن مؤسسة تربح ماديا ورمزيا من هذا النجاح. الكاف ليست مراقبا خارجيا، بل فاعل اقتصادي مباشر، يتوقع مداخيل تفوق 312 مليون دولار، بزيادة تقارب 88 في المائة عن النسخة السابقة. فكيف نطلب من المستفيد أن يكون حكما؟
المشكلة لا تكمن في الأرقام، بل في تحويلها إلى أداة تبرير سياسي. حين يصبح النجاح المالي دليلا على “حسن الاختيار”، وحين تُختزل التنمية في عدد الملاعب وحجم الشاشات، نكون قد انتقلنا من منطق السياسة العمومية إلى منطق التسويق. هنا تفقد الرياضة براءتها، وتتحول من مجال جامع إلى خطاب إلهائي، يُستعمل لطمس الأسئلة الحارقة حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد.
خارج دائرة التصفيق، تحدثت أصوات أخرى لا تربطها أي مصلحة مالية بنجاح البطولة. منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير لافت، دعت إلى عدم تجاهل جيل زد المغربي، وأشارت إلى احتجاجات شبابية رفعت شعارا بالغ الدلالة: “نريد مستشفيات لا ملاعب”. هذا الشعار ليس عداءً لكرة القدم، بل صرخة سياسية تختزل اختلال الأولويات. إنه سؤال بسيط في صياغته، خطير في مضمونه: أي دولة نريد؟ دولة الصورة أم دولة الخدمة العمومية؟
وسائل إعلام دولية وازنة التقطت الرسالة نفسها. سي إن إن تحدثت عن غضب شبابي من توجيه مليارات الدولارات نحو التحضيرات الرياضية، مقابل بطء مزمن في إصلاح الصحة والتعليم. إن بي سي وصفت الاحتجاجات بأنها من أكبر موجات السخط الاجتماعي منذ سنوات، وربطتها مباشرة بأزمة الرعاية الصحية. لم يكن ذلك تشويها متعمدا، بل قراءة من خارج “الفقاعة الوطنية” التي تميل إلى الخلط بين النقد والخيانة.
أما مركز أتلانتك كاونسل، فقد وضع الإصبع على الجرح دون مجاملة: مفارقة “الخبز والسيرك”. المغرب في المرتبة 11 عالميا كرويا، لكنه في حدود المرتبة 120 من أصل 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية. يبني أكبر ملعب في العالم، لكنه يظل في النصف الأدنى عالميا في مؤشرات الرعاية الصحية. هذه ليست مقارنة عبثية، بل تشخيص لاختلال عميق في تصور التنمية نفسها.
لسنا أمام معركة ضد كرة القدم، بل أمام مساءلة لاستخدامها. فالرياضة يمكن أن تكون رافعة للتنمية إذا أُدرجت ضمن رؤية شاملة للإنسان، لكنها تتحول إلى عبء أخلاقي حين تُستعمل كبديل عن السياسات الاجتماعية، أو كوسيلة لتأجيل النقاش العمومي. أخطر ما في الأمر ليس بناء الملاعب، بل بناء خطاب يُطالب المجتمع بالصمت مقابل الفرجة.
النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الكؤوس ولا بحجم العائدات، بل بقدرة الدولة على جعل الفرح الرياضي امتدادا للكرامة الاجتماعية، لا تعويضا عنها. وحين يُطلب من المواطن أن يصفق كي لا يسأل، فاعلم أن السياسة فقدت بوصلتها، وأن التصفيق لم يعد بريئا.

